كيف "تبهدل" الديموقراطيون؟

كتاب النهار 28-11-2024 | 14:33
كيف "تبهدل" الديموقراطيون؟
إنها لوحة غنية لا تخلو من روعة وبشاعة، لتنبئ بسنتين مثيرتين من الدراما والاضطراب المجتمعي، خلاصتها أن هذا القوم الأميركي يبدّل دمه دورياً، فـ"لكل زمان دولة ورجال"!
كيف "تبهدل" الديموقراطيون؟
مؤيدة للرئيس الجمهوري المنتخب دونالد ترامب (أ ف ب)
Smaller Bigger

حين تكون الضربة قاضية، لا بدّ من تشريح الجثة لاكتشاف الأسباب. ينبغي أن يتمّ ذلك فوراً ودون رحمة. 

ينظر الديموقراطيون الأميركيون في المرآة فيقرع عقلهم سؤال ملحّ: "إذا كان دونالد ترامب غير لائق وتهديداً خطيراً للديموقراطية، فلماذا يفضّله أكثر من نصف البلاد؟"... إنه انتقام الديموقراطية! 

تنتقم الديموقراطية في ثلاث حالات:

1. تجاهل الأخذ برأي الناس العاديين في كيفية حكمهم.
2. شعور الناس أن التحولات الاجتماعية تُفقدهم يقينهم في مرجعياتهم ليصوتوا للشعور بالانتماء، والفخر. جرى ذلك في أميركا وألمانيا بعد أزمة 1928.
3. تجاهل الصراعات الطبقية وصراع الأجيال وغيرها من الصراعات المجتمعية في سياق تعالي النخب السياسية لعقود وترجيح قيم الجدارة المالية والعلمية، لتعمّق الفجوة بين الفائزين والخاسرين، لتصبح مثار ازدراء النخب المتعالية تجاه الفئات الأقل حظاً.

منذ عهد رونالد ريغان، تأسّس إجماع بين الديموقراطيين والجمهوريين على دفع لأقصى حدّ لمشروع العولمة النيوليبرالي الصديق للسوق، والقائم على مفهوم الجدارة. وفيما وَلّد المشروع فرصاً هائلة للنخب العليا، أدارت النخب التقليدية في الحزبين ظهرها للناس الأقل حظاً، واتسعت بشكل صارخ هوة اللامساواة. إنها ظاهرة مجتمعية طبقية، بين-جيلين، نجمت عن مفاهيم مثل "إذا كنت تريد المنافسة والفوز في الاقتصاد، فاذهب إلى الكلية. ما تكسبه يعتمد على ما تتعلمه. فإن لم تتمكن من الصعود فإنك تسقط"!

تاريخياً، منذ اعتماد "الصفقة الجديدة" في الستينيات، صار الحزب الديموقراطي موضوعياً حزب الشعب ضدّ الأقوياء، والمدافع التقليدي عن العامل العادي، لكن في ظل بيل كلينتون، ثم باراك أوباما، بل وجو بايدن أيضاً، أمعنت النخب الديموقراطية في فسادها لتلتصق بمجتمع الأعمال والمصارف والمال. وهكذا انقلب المنوال! شارك الديموقراطيون في تحرير الصناعة المالية وتعزيز العولمة التي يحركها السوق –ولكنهم أداروا ظهرهم لتكريس كرامة الفرد العامل وشرف تقاليد العمل.

لنعد لتحليل الانتخابات! لن يصدر التحليل الأمثل للانتخابات عن مؤسسة PEW قبل شهر آذار (مارس)، لكن الأرقام المتوافرة من مصادر المؤسسة تسمح باستنتاجات موثوقة.

على مدى السنوات الثلاثين الماضية، كان المستقلون -30% من السكان- يحدّدون مصير الانتخابات الرئاسية الأميركية، فيما كان 30% يسمّي بتحزّب لأحد الحزبين. ولو دققنا في مجموعة المستقلين لوجدنا أن 90% منهم غالباً ما رجحوا أحد الحزبين دون أن يعني ذلك أي التزام نهائي. بذلك صار 5-10% من الناخبين الذين يمكن اعتبارهم مستقلين خالصين، يحسمون الرئاسة من خلال عقولهم وقلوبهم وجيوبهم. كان هؤلاء وراء وصول أوباما مرتين، ثم ترامب، ثم طردوا ترامب ووجّهوا ضربتين متتاليتين للجمهوريين 2020 (جاءوا ببايدن، ثم في الانتخابات النصفية). أما عام 2024 فلقد انقسم المستقلون بنسبة 50/50. وحصل التحول النوعي. 

على مدار الـ12 عاماً الماضية، صعدت مجموعة MAGA المتشددة في الحزب الجمهوري، وصعدت نخب يسارية متشددة في الحزب الديموقراطي. هذا الأمر زاد التباعد والتوتر بين الحزبين.

ترتكز معاقل الديموقراطيين على ثلاث ركائز:
1. مراكز القوى المثقفة في المدن الكبرى.
2. الأقليات بتلويناتها المختلفة.
3. نقابات العمال، ولقد حصل تحوّل كبير في مواقف هذه الركائز، لصالح الجمهوريين، وتمكن ترامب من كسر جزء هام من هذه الركائز.

وتشير أرقام موثوقة الآن بوضوح لمصادر الأصوات الإضافية الجديدة والمرجحة، والتي كسبها ترامب:
-النساء، وبخاصة منهن غير المتزوجات تحولن إلى ترامب بـ5 نقاط.
-تحول الشباب ما بين 18 و29 نحوه بـ6 نقاط.
-تحول الرجال السود إليه بـ7 نقاط. 
-تحول خريجو الجامعات غير البيض بـ9 نقاط.
-الآسيويون تحولو لصالحه بـ11 نقطة.
وبدّلت شريحة واسعة من أصحاب الدخل المنخفض -30 إلى 49% مواقفها، لتعطي ترامب 12 نقطة. أما اللاتينيون فلقد منحوه 17%. كما صوّت الرجال اللاتينيون بنسبة أكبر من 22% لترامب. 

هذا هو الواقع! فكيف سيتبلور الحراك السياسي الأميركي بعد هذا المنعطف؟ 

ثمة ملامح لثلاث ساحات للاضطرابات المقبلة: أولها إعادة تشكّل الاصطفافات في الفضاء السياسي، بصرف النظر عن التقسيمات الديموغرافية، حيث انخفضت مشاركة الناخبين بأكثر من 10%. 
ثانيها، تُنبئ الانقسامات في كنف الحزبين باحتمالات جدّية لتشكّل تجمعات سياسية ثانوية في ما بينها، قد تفضي لتشكيل حزب أو حزبين جديدين.

ينشط بقوة الجمهوريون اللا-ترامبيون (Non-MAGA)، ومن ضمنهم الجمهوريون التقليديون، ومجمع الأمن القومي، ومجمع الصناعات التقليدية. فلقد تعرض هؤلاء للإقصاء تدريجاً من قيادات الحزب منذ فترة ترامب الأولى. والآن، ورغم سكرة النجاح الكاسح للجمهوريين، تسري حوارات وتنمو أجندات تفترق كثيراً عن أجندة ترامب.

أما الديموقراطيون فورطتهم أكبر بكثير. ثمة يسار على رأسه بيرني ساندرز يتحرك بقوة، ويجمع حوله نواة من الشباب وزعامات النقابات ويتمتع باحترام عال. وبالمقابل، ثمة كتلة من الشباب المعتدل قرأت الدرس الانتخابي، وتقف ضدّ جيل القيادات الديموقراطية الصدئة، لكنها أكثر اعتدالاً ووسطية. ذلك أن النخب المدينية والمتعلمة (نيويورك، كاليفورنيا، شيكاغو الخ)، أشبه بنوادي قراءة الكتب، ولا يمكنها يوماً الفوز منفردة في الانتخابات الفيدرالية.

تكتسب هذه الكتلة المعتدلة داخل الحزب الديموقراطي، قوة ديناميكية وتجنح نحو تشكيل تحالفات جديدة، فيما يمكن تسميته بالرأسمالية الاجتماعية. وترث هذه الكتلة بشكل طبيعي التيار الديموقراطي التقليدي، إضافة للنقابات التي خسرها الديموقراطيون بهجرة الصناعة خارج البلاد وفشل بايدن في تحقيق انعطاف مضاد، لاستعادتها. 

لا يستبعد المراقبون أن تؤدي تداعيات "الدرس الانتخابي" داخل الحزب الديموقراطي إلى تطورات أكثر وضوحاً، مثل أن يخرج اليسار من الحزب، أو أن يجسر الوسط الديموقراطي المعتدل الهوة ويتحالف مع المعتدلين اللا- ترامبيين الجمهوريين في تشكيل جديد.