.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الحرب والسلام توأم ملتصق، لا خروج من حالة السلم إلا بالدخول إلى حالة الحرب، ولا مفارقة للحرب إلا بالاتفاق على شروط السلم. ليس سهلاً في أثناء الحرب أن تفكر في شيء غيرها، أو ينصرف تفكيرك إلى أخطر ما فيها، أي التسويات والتحولات التي تليها، أو اليوم التالي وما يترتب عليه من خير أو شر.
خريف لبنان عاصف يبدو بلا نهاية؛ لا ينظر الناس إلى السماء إلا لملاحقة الطائرات المغيرة، وتتبع الصواريخ العابرة، تتسربل جوانح هذا الوطن بدماء نحو ثلاثة آلاف قتيل و15 ألف جريح، ربع السكان تقريباً نازحون، تم محو 40 قرية وبلدة ومدينة، طال الدمار 150 ألف وحدة سكنية وتجارية، فقد 280 ألف شخص وظائفهم، الخسائر المباشرة وغير المباشرة تتجاوز 12 مليار دولار، تتوالى فصول الحرب الإسرائيلية على لبنان ولا تزال أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة، ويصعب معرفة مآلاتها.
لبنان بلد صغير المساحة والسكان، لكنه ثقيل في موازين الحضارة والثقافة والرقي والعبقرية، بصخبه وإبداعه، بحربه وسلامه، بنزقه وحكمته، بمجونه ودمائه. لبنان بلد معبّق بروائح التاريخ العتيقة، جمال خالد كشجر الأرز. يغفو الأمل ويصحو كل يوم ليعلن إشراقة شمس الحياة من جديد. مدهش ما يمكن أن يخلّفه وطن بحجم الفرح والمأساة معاً، ارتدادات أزماته تهزّ الإقليم وربما العالم.
دعنا نستذكر مقولة الشاعر المصري محمد عفيفي مطر: "بيروت إذا أردت أن تقدّم تعريفاً مناسباً لها فلن تجد مهما أجهدت ذهنك شيئاً تقوله سوى أنّها... بيروت"!
ليس في الأمر مبالغة من أيّ نوع؛ اللبنانيون مثل بقية الشعوب السوية، يحلمون باستقرار عنيد، لكنّه ليس مستحيلاً. مشكلة لبنان الأولى في بعض أبنائه، يقدمون وطنهم على مذبح مصالحهم الشخصية أو الطائفية، دون أن يرمش لهم جفن. عندما تكون وكيلاً لرأس المال الإقليمي والدولي تصبح مصلحتك الشخصية والاجتماعية في توسّع نفوذهم، حتى قال جبران خليل جبران يوماً: "لكم لبنانكم ولي لبناني، لبنانكم مربعات شطرنج بين رئيس دين وقائد جيش، أمّا لبناني فمعبد أدخله بالروح عندما أملُّ النظر إلى وجه هذه المدينة السائرة على الدواليب"ّ.
ينصبّ جوهر الصراع على مكان لبنان، فبينما يختلف اللبنانيون حول وطنهم وأدواره، يسعى الإسرائيليون ومنْ وراءهم إلى استتباعه أو تحييده على الأقل. تفكيك "وحدة الساحات" هدف أميركي- إسرائيلي، تصرّان على عدم تكرار سيناريو 7 تشرين الأول (أكتوبر)، ترغبان -وفقاً لخطة هوكستين- بإقامة "منطقة عازلة"، أي انسحاب "حزب الله" إلى ما وراء الليطاني، على بعد 30 كيلومتراً، ونشر الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية، إلى جانب "اليونيفيل". الرياح القادمة من البيت الأبيض بقيادة دونالد ترامب تملأ الشراع الإسرائيلي.
بيروت رمانة ميزان، مؤشر بالغ الحساسية في موازين القوى في الشرق الأوسط. كل طرف -من الأطراف الإقليمية والدولية من عرب وعجم- يحاول أن يجذبها، أن يضمها إليه. تتألم بيروت بقدر ما تكون مرغوبة، تلك محنة الدول التي تصعد إلى المسرح من موقع هامشي،عندما تكون بلداً فقيراً لا يملك التقنية ولا السوق ولا رأس المال، بينما تحوز موقعاً استراتيجياً ووهجاً حضارياً، تركض مع آخرين في سوق العولمة المفتوحة الذي تحدّد السرعات فيها أوزان اللاعبين وأدوارُهم وتحالفاتُهم مع الكبار. محنة لبنان أنه فاعل ومفعول في منطقة لا ترتوي من الدم. يتذبذب دور لبنان في النظام الإقليمي والدولي، لأسباب يصعب تعقّبها في هذه المساحة، بحيث لا يعود في وسعها أن تملي إرادتها. هذا النمط له كلفةٌ سياسيّة هائلة، فلا مجال لأن تغضب القوى الدولية الكبرى أو أذيالها من الدول التابعة أو المتحالفة (مثل الكيان الصهيوني) أو تخالفها في شيء إلا بثمن فادح!
وبرغم الدمار المروّع ثمّة فرصةٌ لفتح كوّة في جدار الألم، يحتاج لبنان من أهله ومن خارجه قرارات مؤلمة، لإطفاء خطوط النار، بعيداً من التشويش والفوضى، إيماناً بقدر لبنان وقدراته. إحصل على النصر عندما يكون بإمكانك ذلك. يدرك الإسرائيليون أن لبنان الخطر الأكبر، أو بالأحرى المنافس الأخطر، لو نال لبنان قليلاً من الاستقرار لازدهر وتقدم على نحو مثير للإعجاب. ألا ينجح اللبنانيون بشكل باهر خارج وطنهم؟ ينبغي الإفراج عن انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة جديدة دون تأخير، ثم الاتفاق مع صندوق النقد، وفهم المعنى الحقيقي للتنمية، بالتنقيب عن بدائل تنموية، وإعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني وفطامه، ليصبح تنافسياً جاذباً للاستثمار!
هل هذا ممكن في الظلمة؟ تقول تجارب اللبنانيين مع طائر الفينيق، إنهم بحاجة لعقد من الزمان كي ينهضوا ببلدهم، ويتحرروا من أثقال الواقع بكل أوجاعه. اعتادوا الحرب قبل ذلك، حتى فيما بينهم، لكنهم سرعان ما جنحوا إلى السلم، بشروط "الطائف". مازال الداخل اللبناني أكبر من المحنة وأشد صلابة، وعليك ألا تلتقط الصور خلال المعركة إذا أردت أن تنتصر، بل أن تستخدم أدواتٍ جديدة لسياقٍ جديد، أن تطوّر رؤيتك للذات والعالم، وأن تخرج إلى عرض البحر إذا اشتدت العواصف!
لبيروت من قلبي سلام!