.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في مطلع التسعينات، سألت موظفاً في أشهر متجر لبيع القطن في وسط البلد (القاهرة)، لماذا أجد جودة عالية في القطن المصري الذي أشتريه من الخارج وجودة أقلّ حينما أشتريه من مصر، فقال: إنّ أجود منتجاتنا نصدّرها إلى الخارج!
أعادتني هذه الحكاية، إلى حقبة تاريخية مشرفة، عندما قرّر محمد علي جلب بذور قطن جديدة من خارج مصر ليزرعها فيها، ثم نجح المصريون في تصنيع أفخر أنواع القطن العالمي، الذي ما زلنا نشاهده في كبريات العلامات التجارية الفاخرة. ما فعله محمد علي، في مطلع القرن التاسع عشر، هو تحريك عجلة صناعة غاية في الأهمية، حيث كانت مصر معقل القطن قبل الميلاد، حسبما تروي مصادر تاريخية.
عندما تدور رُحى المصانع، تلتفت إليك البلدان المتقدّمة. وربما هذا ما يفسر ما قاله محمد حسنين هيكل من اندهاش الرئيس المصري الراحل عبدالناصر من مقترح وزير الخارجية الأميركي، آنذاك، جون فوستر دالاس، بأن "تقدّم مصر بادرة حسن نية لمساعدة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، عبر تقليل إنتاج القطن المحلي طويل التيلة، لأنه ينافس نظيره المنتج في ولايات الجنوب الأميركي" الأمر الذي جعل عبد الناصر "يفتح فمه" من غرابة الطلب!
الصناعة ليست مجرد محرّك اقتصادي، بل هي مقياس لقوة الدولة. فالشعوب التي تنتظر فتات ما ترميه لها الأمم تعيش عالة عليها. ولذلك عندما بلغت مساهمة الصناعة في الصين ثلث ناتجها المحلي، أطلق عليها "مصنع العالم". وأصبحت ألمانيا "ماكينة العالم" عندما بلغ هدير مصانعها أقاصي المعمورة. عندما نُكِبَت أوروبا في الحرب العالمية، التفتت غرباً نحو عملاق الصناعة الصاعد الولايات المتحدة الأميركية، لتمدّها بالسلاح والعتاد والتدخّل، الذي أنهى حرباً طاحنة ومؤلمة أكّدت مجدداً أن البقاء للأقوى... أو لمن استفاد من مقومات الصناعة.
عندما نرتدي كعرب ملابسَ مستوردة من الرأس حتى أخمص القدمين، فمن البديهي أن نسير مطأطئي الرأس بين الأمم الصناعية. وإذا ما زلنا نقف عند الموانئ بانتظار وصول موادنا الغذائية الأساسية لتأتينا من الخارج، فإنّنا بلا شكّ نعيش في مرحلة حرجة وخطيرة ولا تبشر بخير.
ولذلك حينما قرأت أنّ السعودية سوف تفتح أراضيها لكبريات المصانع الصينية لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وتأهيل أبنائها استبشرت خيراً، لأنها سوف تصبح، إن استمرّت، مهد الصناعة الخليجية.
وإذا ما نجحت دولة صغيرة مثل سنغافورة في تصدير منتجات إلكترونية متقدمة تشكّل نسبة كبيرة من ناتجها المحلي، فإننا يمكن أن نفعل أفضل من ذلك، إذا ما تضافرت جهودنا في خطة تكاملية تسير وفق خارطة صناعية تعيد للأمة العربية مجدها.