.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يُقدّم الجيش الإسرائيلي عن نفسه صورة المنتصر في الحرب البرية التي يخوضها ضد "حزب الله" في جنوبي لبنان. هذه الصورة مكوّنة من جزئيات كثيرة:
1- قائد لواء غولاني عدي غانون يعلن، في مقابلة مع المراسل العسكري للقناة 14 العبرية، أنّ سكان شمالي إسرائيل بات بإمكانهم العودة إلى منازلهم؛ فالمخاطر التي كانت تحدق بهم سابقاً قد انتهت كلها.
2- قائد الكتيبة 74 التابعة للواء غولاني، أورين تشاندلر، يقول لصحيفة "معاريف" العبرية إنّ الجيش الإسرائيلي يمكنه أن يصل إلى بيروت، و"نحن مندهشون من ضعف حزب الله".
3- الجيش الإسرائيلي يسحب كلّ حواجزه من الخط الأمامي في شمالي إسرائيل، ويلغي اعتبارها منطقة عسكرية، ويتيح فيها حرية الحركة.
4- الوحدات العاملة في جنوبي لبنان تنصب مدافعها في داخل القرى الجنوبية، وتساهم بقصف ميداني في هجوم القوات على الخط الثاني في جنوب نهر الليطاني، في عملية تهدف إلى إبعاد "حزب الله" إلى ما بعد الضفة الشمالية، و"إلغاء" كل تحصيناته الحربية، هجومية كانت أم دفاعية.
5- سماح قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي لشركات إعادة تأهيل البنية التحتية بالدخول إلى مناطق شمالي إسرائيل، بما في ذلك مدينة كريات شمونة لبدء ورش من شأنها أن تتيح عودة سريعة للسكان.
6- تأكيد قيادة الجيش الإسرائيلي أنّ "حزب الله" بات عاجزاً عن إطلاق الصواريخ المضادة للمدرعات، وهي سريعة، ولا يمكن اعتراضها، على المستوطنات الحدودية.
7- انخفاض عدد الصواريخ التي يطلقها "حزب الله" على شمالي إسرائيل إلى ما دون معدل مئة صاروخ يومياً، بعدما كانت بمعدل مئتي صاروخ، فيما كان مقدراً لها أن تكون، قبل بدء عملية "سهام الشمال"، بحدود ثلاثة آلاف صاروخ يومياً.
لا أحد يمكنه تأكيد أو نفي دقة هذه الجزئيات، التي يكوّن فيها الجيش الإسرائيلي صورة النصر. "حزب الله" ينفيها جملة وتفصيلاً، ويعتبرها جزءاً من "الحرب الناعمة"، التي تستهدفه، إلى جانب "الحرب الخشنة"، التي تُطارد مقاتليه أينما حلّوا وبيئته بكلّ ما تملك.
ولكن بمراجعة بسيطة لآخر بيان صادر عن " المقاومة الإسلامية في لبنان" عن مجمل العمليات، التي قامت بها، ما بين الساعة 23 من ليل السبت والساعة 23 من ليل الأحد، يتبيّن أنه من أصل 17 عملية تمّ الإعلان عنها، هناك 13 عملية إطلاق صواريخ حصلت لمواقع إسرائيلية في داخل الجنوب اللبناني، وتحديداً على تخوم بلدتي شمع والخيام ومثلث طيرحرفا-الجبين، و4 عمليات قصف فقط استهدفت شمالي إسرائيل.
وبناء على معطيات هذا البيان المعلوماتي، يتّضح أنّ "حزب الله"، وإن كان يحتفظ بنسبة من قدراته الصاروخية، كما بالمسيّرات الانتحارية، فإنّه بات معنياً برد الهجوم الإسرائيلي البريّ، على اعتبار أنّ الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى ليست هي الصواريخ التي من شأنها أن تمنع إسرائيل من تنفيذ مخطط إعادة السكان إلى الشمال، حتى من دون اتفاق، إذ إنّه كلّما تقدم الجيش الإسرائيلي في جنوب نهر الليطاني تعطلت قدرات "حزب الله" على استعمال الترسانة الكبرى من صواريخه المتبقية، أي تلك الموصوفة بأنها قصيرة المدى.
وسط هذه الصورة، يواصل الجيش الإسرائيلي "ترميد" ما أمكنه في الضاحية الجنوبية لبيروت وصور وبعلبك ومدن وبلدات شمال نهر الليطاني، وملاحقة كوادر الحزب الأساسية أينما حلّوا، وفق ما سمّاه المعنيون الإسرائيليون بالجبهة اللبنانية: منهجية تفكيك "حزب الله".
تهدف هذه "المنهجية" إلى إضعاف "حزب الله" على كل المستويات، حتى يصل في نهاية الحرب إلى وضعية "متساوية" مع المكوّنات اللبنانية، وتجعل الجيش اللبناني المدعوم من اليونيفيل القوة الأهم في لبنان؛ الأمر الذي يُمكنه ليس من تنفيذ صارم للقرار 1701 تحت رقابة دولية فحسب بل يعين القوى السياسية الأخرى في لبنان على أن يكون لكلمتها وزن في صناعة القرار السياسي أيضاً!
وتعتقد إسرائيل أنّ "حزب الله"، ومِن ورائه إيران المعنية بهذا الحزب وباستمراريته، قد يقبلان، ومن أجل الحد من الخسائر، بالمقترح الأميركي الذي تمّت صياغته بالاشتراك معها، عندما انتقل وزير التخطيط الإسرائيلي رون ديرمر، المقرب جداً من بنيامين نتنياهو، إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث عقد اجتماعات تنسيقية مع إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب الانتقاليتين، ومع الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين.
بالفعل، أظهر "حزب الله"، للمرة الأولى، مرونة غير مسبوقة؛ فهو، وخلافاً لما كان يشترطه سابقاً، لم يوافق فقط على فصل جبهة لبنان عن جبهة غزة، بل أعطى أيضاً الضوء الأخضر لرئيس مجلس النواب نبيه بري المكلّف منه حتى يجري مفاوضات في شؤون تفصيلية تحت النار. سابقاً، كان يشترط أن يتم البحث في الأمور التفصيلية، بعد وقف إطلاق النار. هذا كان "الخط الأحمر" الذي رسمه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، في آخر كلمة له!
هل يعني ما تقدّم أنّ وقف الحرب الإسرائيلية على "حزب الله" بات وشيكاً؟
الجواب عن هذا السؤال قد يكون معقداً، لأنّ الحزب، بموجب المقترح الأميركي الموجود بين يديه، عليه أن يستسلم، إذ إنّ الشروط الموجودة فيه، تمنعه، في وقت لاحق، حتى لو استعاد عافيته، وعاد واستقوى على الداخل اللبناني، من القيام بأيّ دور عسكري في جنوبي لبنان؛ ولهذا هو يطالب بإدخال تعديلات على المقترح الأميركي- الإسرائيلي، ويضغط لتتم النقاشات حولها، في ظل وقف لإطلاق النار. ولكنّ إسرائيل ليست _ وفق ما يظهر _ بهذا الوارد، فهي أبلغت المعنيين في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا بأنّها غير مستعدّة للخوض في أيّ مناورات دبلوماسية، لأنّ التقدّم الذي أحرزته المفاوضات الهادفة إلى إنهاء الحرب، إنّما صنعه الميدان وليس "ذكاء الدبلوماسيين"!
يُقال، عموماً، إنّ الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل. في الحالة اللبنانية، استمرار الحرب قد يتربع، هو الآخر، في الملاحظات!