.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في يوم الإثنين المصادف للثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 1969 في العاصمة المصرية القاهرة، وقّع وفد لبناني برئاسة قائد الجيش اللبناني العماد إميل البستاني مع وفد فلسطيني بزعامة رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات، بحضور وزير الخارجية المصري محمود رياض ووزير الدفاع محمد فوزي، ما عُرف باتفاق القاهرة.
جوهر الاتفاق، الذي تضمن فقرات وتفاصيل كثيرة، هو تسليم مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لمنظمة التحرير الفلسطينية والسماح لقواتها بشن عمليات عسكرية في جنوبي لبنان ضد إسرائيل. كانت ديباجة الاتفاق تستخدم اللغة الديبلوماسية المعهودة عن "روابط الأخوة والمصير المشترك" بين لبنان وفلسطين وضرورة أن تتّسم علاقتهما "دوماً بالثقة والصراحة والتعاون الإيجابي لما فيه مصلحة لبنان والثورة الفلسطينية، وذلك ضمن سيادة لبنان وسلامته". لكن الواقع كان مختلفاً تماماً، إذ كان الطرف اللبناني مضطراً إلى توقيع الاتفاق في ظل مواجهة عسكرية متصاعدة بين الجيش اللبناني وقوات منظمة التحرير الفلسطينية، وضغوط عربية كبيرة على لبنان، تصدرتها مصر التي توسطت لتوقيع الاتفاق، وانقسام داخلي لبناني مُقلق بين مسلمين داعمين للوجود الفلسطيني المسلح وموارنة يرون في هذا الوجود تقويضاً للدولة اللبنانية، التي كان عليها أن تواجه الضربات الانتقامية الإسرائيلية القوية والكبيرة الحجم رداً على العمليات الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي.
اقرأ أيضاً: من جمال عبد الناصر إلى حسن نصر الله: "التحرير" إذ يـنـهـار مـرةً أخرى (2 من 4)
في هذا الصدد، كانت عملية إنزال قوة خاصة إسرائيلية في مطار بيروت، قبل عقد الاتفاق بعشرة أشهر تقريباً، حاضرة بألم مذلّ في الذاكرة اللبنانية العامة. قامت هذه القوة، على مدى 40 دقيقة في 28 كانون الأول (ديسمبر) 1968، بتدمير نصف الأسطول الجوي المدني اللبناني، نحو 13 طائرة، وذلك رداً على تدمير مسلحين فلسطينيين انطلقوا من لبنان طائرة إسرائيلية تابعة لشركة العال قبل ذلك بيومين.
يُعدّ هذا الاتفاق مؤشراً على أحد التحولات الكبرى في الصراع العربي-الإسرائيلي الذي برز كنتيجة عَرَضية غير متوقعة للهزيمة العربية المذلّة في حرب 1967 بما عنته من عجز الدول العربية كمؤسسات عن إنجاز تحرير فلسطين. خلاصة هذا التحوّل هو انتقال عبء التحرير هذا من عاتق الدول العربية إلى عاتق المنظمات الفلسطينية المسلحة. فبدلاً من إنجاز هذا التحرير عسكرياً من خلال العمل العسكري المنتظم لجيوش الدول، وهو العمل المُحدّد زمانياً ومكانياً وعملياتياً والمحكوم بضوابط قانونية دولياً، تحوّل الاعتماد إلى حرب العصابات المفتوحة وغير المقيدة باعتبارات الزمان والمكان ونوع النشاط المسلح المطلوب لإنجاز الهدف والأثمان المرتبطة به.
في لغة السياسة والإعلام العربية، أُطلق على هذه العمليات تسمية "العمليات الفدائية" أو "العمل الفدائي"، الذي يتولاه فلسطينيون وعرب متطوعون يندرجون في منظمة التحرير الفلسطينية، المتأسّسة رسمياً بدعم عربي، خصوصاً مصريّاً، في عام 1964، بوصفها الممثلة الرسمية للشعب الفلسطيني والقائدة لكفاحه من أجل التحرير.
ضمّت منظمة التحرير كمظلة فلسطينية عامة بعض أهم التنظيمات الفلسطينية المسلحة: حركة التحرير الوطني الفلسطيني (المعروفة باسم "فتح")، والجبهة العربية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، التي تأسست في 1969، فضلاً عن غيرها الأقلّ أهمية.
في ظل هذا التحول الجديد، تحوّل دور الدول العربية إلى الدعم المادي والمؤسساتي للعمل الفدائي الذي تصدّى للمهمة الأصعب: التحرير بالرغم من الخلافات الكثيرة بين الدول العربية المختلفة ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ارتبط تدشين هذا التحول بحدث أسبق كان له صدى كبير حينها، في آذار (مارس) 1968 في الأردن، في قرية "الكرامة" المحاذية للضفة الغربية المحتلة عبر نهر الأردن الفاصل جزئياً بين الأردن وإسرائيل. كانت هذه القرية قد تحوّلت إلى معقل للمقاتلين الفلسطينيين، يتدربون فيها ويشنّون منها عمليات مسلحة في داخل إسرائيل والضفة الغربية المحتلة. رداً على هذه العمليات، شنّت إسرائيل هجوماً برياً بألف عسكري مدعومين بالطائرات الحربية لتدمير القواعد الفلسطينية هناك. بعكس التوقعات الإسرائيلية من أن القوة العسكرية الأردنية هناك ستنسحب وسيسهل تصفية المقاتلين الفلسطينيين أو أنهم سيهربون أيضاً، صمد الطرفان، إذ قامت المدفعية الأردنية بقصف مكثف للقوة الإسرائيلية، فيما تولى الفلسطينيون الاشتباك معها، في معركة ضارية استمرت نحو 15 ساعة.
لم تكن نتيجة المعركة حاسمة بوضوح لأيّ من الطرفين لكن الخسائر العربية فيها عالية مقارنة بمثيلتها الإسرائيلية (مقتل 28 عسكرياً إسرائيلياً، وتدمير أربع دبابات وخمس مركبات وطائرة واحدة، فيما خسر الأردنيون 61 عسكرياً و13 دبابة، وخسرت المنظمات الفلسطينية 116 مقاتلاً، فضلاً عن وقوع نحو 50 آخرين من مقاتليها أسرى).