غسان تويني وكمال جنبلاط: إرث من كلمة وفكر

غسان تويني وكمال جنبلاط: إرث من كلمة وفكر
كمال جنبلاط في "النهار".
Smaller Bigger
فاروق غانم خداج
كاتب وباحث في الأدب والفكر الإنساني

جسر بين الكلمة والفعل

في زمن غاصت فيه السياسة اللبنانية في مستنقع الطائفية والصراعات العائلية، التقى عقلان استثنائيان ليصنعا نموذجًا فريدًا يربط الفكر بالواقع السياسي: كمال جنبلاط، الزعيم الذي حوّل الاشتراكية إلى مشروع إصلاحي لبناني شامل، وغسان تويني، صوت "النهار" الحرّ الذي ظل وسيلة للحرية والمساءلة. لم يكن هذا اللقاء تحالفًا عابرًا، بل محاولة جريئة لبناء جسر بين الكلمة والفعل في وطن يبحث عن هويته.

زمن التحولات: لبنان في الستينيات والسبعينيات

مع تصاعد القومية واليسار وتزايد النفوذ الفلسطيني، شهدت البنية التقليدية اللبنانية اهتزازات عميقة. يصف المؤرخ كمال صليبي هذه المرحلة بأنها "تحول في البنية الاجتماعية التقليدية وبروز قوى سياسية جديدة" (تاريخ لبنان الحديث، 1999، ص 245).

وسط هذه المتغيرات، أطلق جنبلاط عام 1969 الجبهة الوطنية التقدمية، والتي وثّق "النهار" نشأتها في أرشيفاته، حاملاً مشروعًا إصلاحيًا تحدى النظام التقليدي والطائفية الراسخة.

فكر وسياسة: حوار دائم

لم يكن تويني يرى الصحافة مجرد آلة لنقل الأخبار، بل آمن بأن "الكلمة يمكن أن تكون أداة للتغيير"، كما جاء في مذكراته. من جهته، وجد جنبلاط في "النهار" منبرًا لتوصيل أفكاره إلى جمهور واسع، رغم الخلافات حول مواقف الفصائل الفلسطينية وحدود العلاقة مع المحيط العربي.

وصف عصام خليفة جنبلاط بأنه المفكر الذي يضع الرؤية الكبرى، بينما كان تويني الناقد الذي يعرض هذه الأفكار بصراحة ونقد موضوعي. وقال تويني عام 1998: "لم تكن مهمتنا ترويج أفكار كمال، بل عرضها بشكل نقدي". هذا التوتر الإبداعي شكّل مدرسة في فن الاختلاف مع احترام متبادل.

محطات مشتركة: الكلمة في العمل

من أبرز معالم التعاون فتح صفحات "النهار" لقضايا الإصلاح الزراعي وكشف الفساد في الأراضي، كما أشار المحامي نقولا نصار. كذلك نظمت الصحيفة ندوات فكرية جمعت جنبلاط بمثقفين نوقشت فيها إشكالات "الاشتراكية والديمقراطية"، فصارت منصة للحوار الفكري الراقي.

امتد الأثر إلى جيل سياسي جديد، إذ كتب وليد جنبلاط لاحقًا: "تعلمت في النهار أن الكلمة قد تكون أقوى من الرصاص" (ذاكرة الواقع، 2004، ص 77).

تحديات وصعوبات: الطريق لم يكن سهلاً

واجهت التجربة معارضة قوية من النظام التقليدي وبعض القوى الدينية، إضافة إلى ضغوط إقليمية ودولية. أظهرت نتائج انتخابات 1972 محدودية التأثير في نظام طائفي متجذر، حيث حصدت الجبهة 11 مقعدًا فقط من أصل 99.

وجاء اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 ليقطع هذا المسار فجأة. في ذلك اليوم كتب غسان تويني في "النهار": "سقط الرجل الذي كان يحمل لبنان في عقله، وبقينا نحمل في عقولنا أسئلته التي لم تُجبَر" (17 آذار 1977).

دروس باقية: الكلمة أقوى من الرصاص

تترك هذه التجربة ثلاثة دروس واضحة:
1. ضرورة الحفاظ على استقلالية الإعلام مع احترام متبادل للسياسة.

2. أن التحالفات الفكرية أعمق وأبقى من التحالفات المصلحية الضيقة.

3. أن تغيير نظام طائفي راسخ مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.

خاتمة: إرث الكلمة والفكر

رغم أن هذه التجربة لم تغيّر وجه لبنان كما تمنى أصحابها، فإنها تركت إرثًا من الكلمة والفكر يدل على أن الصحافة والسياسة حين تلتقيان على قيم الحرية والصدق، يمكن أن تصنع فرقًا حتى في أحلك الظروف. إرث يذكرنا بأن بعض الكلمات أقوى من الرصاص، وأن بعض الأحلام تظل حية رغم رحيل أصحابها.

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/26/2026 8:57:00 AM
بحسب مصدر مقرب من العائلة، فإن جورج "كان يرغب دائماً في السير على خطى والده".
فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟