اللواء الركن رياض تقي الدين
فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
في تاريخِ لبنانَ الحديثِ، تبرُزُ أسماءٌ قليلةٌ استطاعت أن تجمعَ بين صرامةِ الميدانِ وعمقِ الفكرِ، بين الانضباطِ العسكريِّ ورهافةِ الروحِ الإنسانيةِ. من بين هذه الأسماءِ، يظلُّ اللواءُ الركنُ رياض تقي الدين واحداً من أبرزِ القادةِ الذين تركوا بصمةً تتجاوزُ حدودَ الوظيفةِ العسكريةِ، لتغدو إرثاً فكرياً وروحياً ووطنياً. هو ابنُ الجبلِ، سنديانةٌ رسَّخت جذورَها في الأرضِ وضربت عميقاً في التربة، وغصونٌ ارتفعت إلى السماءِ، تجسَّد في مسيرتِه معنى أن يكونَ القائدُ إنساناً قبل أن يكونَ رتبةً.
مدرسةُ الانضباطِ والبداياتُ العسكريةُ
دخلَ رياضُ تقي الدين المدرسةَ الحربيّةَ في أواخرِ الخمسينيّاتِ، في مرحلةٍ دقيقةٍ من تاريخِ لبنانَ، حيث كان الجيشُ يسعى لبناءِ هويّتِه وسطَ صراعٍ سياسيٍّ داخليٍّ وضغوطٍ إقليميّةٍ متزايدةٍ. وهناك، تدرَّب على الانضباطِ الذي لم يعدْ مجرّدَ نظامٍ داخليٍّ، بل تحوَّل إلى فلسفةِ حياةٍ. فقد رأى في الالتزامِ الصارمِ والجهدِ المتواصلِ أساساً لتكوينِ الشخصيةِ القياديّةِ.
تخرّج ضابطاً في سلاحِ المدفعيةِ عامَ 1962، ليبدأَ مسيرةً امتدّت عقوداً، تنقَّل خلالها بين المراكزِ والمواقعِ، وصولاً إلى منصبِ رئيسِ أركانِ الجيشِ. وفي كلِّ محطةٍ، كان يبرهنُ أن القيادةَ ليست سلطةً فحسب، بل مسؤوليّةً أخلاقيّةً تجاهَ الوطنِ والناسِ.
الجمعُ بين الحسمِ والإنسانيةِ
تميّز اللواءُ تقي الدين بقدرةٍ نادرةٍ على الجمعِ بين الحزمِ العسكريِّ والبعدِ الإنسانيِّ. ففي ميدانِ العملياتِ، كان يتّخذُ قراراتٍ حاسمةً، لكنه لم يكنْ يتنازلُ عن قناعته بأنَّ حياةَ المدنيينَ وصونَ نسيجِ المجتمعِ أهمُّ من أيِّ انتصارٍ ظرفيٍّ. عُرِف عنه أنَّه كان يفضّلُ الحلولَ التي تقلّلُ الخسائرَ، وأنه يتعاملُ مع الجنودِ والضباطِ بصرامةٍ يحيطُها الاحتضانُ، مؤمناً بأنَّ الجيشَ القويَّ هو الذي يتماسكُ من الداخلِ عبرَ الثقةِ المتبادلةِ والاحترامِ.
علاقةٌ استثنائيةٌ مع كمالِ جنبلاطَ
من المحطّاتِ المضيئةِ في مسيرتِه، علاقتُه الوطيدةُ بالزعيمِ كمالِ جنبلاط. لم تكنْ علاقةً تقليديّةً بين قائدٍ عسكريٍّ وزعيمٍ سياسيٍّ، بل نموذجاً متفرِّداً للتحالفِ بين الفكرِ الاستراتيجيِّ والحكمةِ السياسيةِ. كان جنبلاطُ يرى فيه الضابطَ المحنّك القادرَ على قراءةِ الميدانِ بعمقٍ، بينما كان تقيُّ الدين يجدُ في جنبلاط رؤيةً شموليةً تتجاوزُ حدودَ الطائفةِ والجغرافيا.
هذه العلاقةُ انعكست في مواقفَ مفصليةٍ، كما يوثِّقها كتابُه أضواءٌ وظلالٌ، حيثُ يظهرُ كيف التقى البُعدانِ العسكريُّ والسياسيُّ في بوتقةِ رؤيةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، هدفُها بناءُ لبنانَ متماسكٍ وقادرٍ على مواجهةِ رياحِ الأزماتِ.
إرثٌ فكريٌّ وعسكريٌّ
لم يكن اللواءُ تقي الدين ضابطاً يكتفي بالتنفيذِ الميدانيِّ. لقد آمن أنَّ الفكرَ العسكريَّ يحتاجُ إلى التأصيلِ والبحثِ، فكتب في الاستراتيجيّا والأمنِ والدفاعِ. فكان من أبرزِ أعمالِه الأمنُ العسكريُّ، ونافذةٌ على الفكرِ العسكريِّ، اللذان تحوَّلا إلى مراجعٍ يُعوَّل عليها من قِبَلِ ضباطٍ وكليّاتٍ حربيّةٍ. كان يرى أنَّ الجيشَ ليس مجرّدَ قوّةٍ رادعةٍ، بل مؤسّسةٌ عقلانيةٌ تحتاجُ إلى تنظيرٍ فكريٍّ يوازنُ بين الواقعِ المحليِّ والتجاربِ العالميةِ.
لكن فكرَه لم يقفْ عند حدودِ العسكريّةِ الصرفةِ. ففي من وثائقِ الحربِ اللبنانية قدّم توثيقاً دقيقاً لأحداثٍ عصفت بالبلادِ، ملتزماً قدرَ الإمكانِ بالحيادِ والصرامةِ التاريخيةِ. أما في حفرٌ على الوجدان، فقد حاول أن يصونَ الذاكرةَ من النسيانِ، مدركاً أنَّ الأممَ لا تنهضُ إلّا حين تواجهُ تاريخَها بصدقٍ.
أدبُ الروحِ والكلمةِ
إلى جانبِ العسكريّةِ والفكرِ السياسيِّ، حمل اللواءُ تقي الدين قلباً شاعريّاً، عبّر عنه في دواوينَ وقصائدَ، منها تَبقَوا ذَكروني وبيتي جفنُ الشمسِ. في هذه النصوصِ، نرى القائدَ الذي يخلع بزّتَه العسكريّةَ ليتأمّل في معنى الوطنِ، في وجعِ الفقدِ، وفي الحبِّ كطاقةٍ إنسانيّةٍ لا تنضبُ. لقد جعلَ من الكلمةِ امتداداً للسيفِ، ومن الشعرِ ميداناً آخرَ يخوضُ فيه معركةً ضدّ النسيانِ والجمودِ.
العقيدةُ الروحيّةُ: التوحيدُ كمرتكزٍ فلسفيٍّ
من أبرزِ ما يميّزُ تقي الدين هو عمقُه الروحيُّ. ففي كتابِه عقيدةُ التوحيدِ كما فهمتُها، نرى الوجهَ المتأمّلَ، الباحثَ عن المعنى في قلبِ العقيدةِ. لم يكن التوحيدُ لديه مجرّدَ التزامٍ دينيٍّ، بل رؤيةً كونيّةً تنسجمُ مع مسيرتِه العسكريةِ والفكريةِ: الانضباطُ توحيدٌ، والقرارُ الحاسمُ توحيدٌ، واحترامُ الإنسانِ كقيمةٍ مطلقةٍ هو أيضاً توحيدٌ.
هذه الفلسفةُ جعلته قادراً على مواجهةِ الحياةِ بمعادلةٍ متوازنةٍ: قائدٌ يعرفُ كيف يحاربُ، ومفكّرٌ يعرفُ كيف يوثِّقُ، وروحانيٌّ يعرفُ كيف يتأمّلُ.
أثرُه الراهنُ وضرورةُ استعادته
اليومَ، في ظلِّ الانقساماتِ التي تنهكُ لبنانَ، يبرزُ إرثُ اللواءِ تقي الدين كدرسٍ لا يقلُّ راهنيةً عن لحظةِ صدورِه. فقد دعا دائماً إلى بناءِ جيشٍ مهنيٍّ مستقلٍّ، بعيدٍ عن الاصطفافاتِ الضيّقةِ، يكون خادماً للوطنِ لا أداةً بيدِ أيِّ فريقٍ. هذه الرؤيةُ، التي بدت في زمانِه طموحاً مثالياً، أصبحت اليومَ حاجةً وجوديّةً في ظلِّ التصدّعاتِ التي يعيشُها الكيانُ اللبنانيُّ.
إنَّ استذكارَ تجربتِه ليس مجرّدَ استعادةٍ لسيرةٍ شخصيّةٍ، بل هو استحضارٌ لنموذجٍ نادرٍ من القادةِ الذين جمعوا بين الفكرِ والعملِ، بين السيفِ والقلمِ، بين القيادةِ والتأمّلِ.
خاتمةٌ
يقف اللواءُ الركنُ رياضُ تقي الدين في الذاكرةِ اللبنانيةِ كسنديانةٍ جبليةٍ صلبةٍ، جذورُها ضاربةٌ في ترابِ الوطنِ، وأغصانُها متّجهةٌ إلى سماءِ الفكرِ والروحِ. لم يكن مجرّدَ ضابطٍ عابرٍ، بل قائداً ومفكّراً وشاعراً وروحانيّاً، جسّد في شخصِه معادلةً صعبةً: أن تكونَ صارماً من دونِ قسوةٍ، وحكيماً من دونِ ضعفٍ، وعسكريّاً من دون أن تفقدَ إنسانيّتَك.
في زمنٍ يبحثُ فيه اللبنانيونَ عن قدوةٍ صادقةٍ، يظلُّ السؤالُ الذي يطرحه إرثُه قائماً: مَن من قادتِنا اليومَ يملكُ القدرةَ على الجمعِ بين صلابةِ السنديانةِ ودفءِ الشعلةِ، بين قوّةِ القرارِ ونقاءِ الروحِ؟
الأكثر قراءة
فن ومشاهير
6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير
6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة
6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟
رياضة
6/28/2026 1:34:00 AM
فرضت كولومبيا التعادل على البرتغال من دون أهداف وتقدمتها في صدارة المجموعة 11 في كأس العالم 2026 ضمن الجولة الثالثة الأخيرة من دور المجموعات
نبض