زياد عبد الصمد
تحظى السياسات الاجتماعية باهتمام السلطة السياسية في أوقات الأزمات، إذ تصبح الأوضاع المعيشية للمواطنين أكثر إلحاحاً، ما يستدعي تدخلات عاجلة لمعالجة تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن النهج المعتمد لمعالجة هذه الأوضاع يختلف وفقاً للأولويات التي يحددها المسؤولون، بين مقاربات قصيرة الأمد تُركّز على الاستجابة الفورية، وأخرى متوسطة وطويلة الأمد تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، من دون أن تغفل متطلبات التدخل الفوري.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام، مطالبة بأن تضع في صلب مهمها -المثقلة أساساً بتحديات جمة – تصميم وتنفيذ سياسات اجتماعية شاملة ومستدامة، وذات نتائج واضحة، بما يلامس حاجات اللبنانيين الأشد حاجة والأكثر تضرراً من غياب السياسات الاجتماعية أو الاقتصار على إجراءات آنية، خصوصاً مع الانهيارات التي شهدها لبنان منذ العام ٢٠١٩.
المقاربات المؤقتة مقابل الحلول المستدامة
غالباً ما تلجأ السلطات الحاكمة إلى تنفيذ برامج سريعة التأثير تهدف إلى احتواء الغضب الشعبي وإظهار استجابتها الفورية لمتطلبات الفئات الأكثر تضرراً. ويُطلق على هذه البرامج مصطلح "شبكات الأمان الاجتماعي"، التي تقوم على تحديد الفئات الأكثر حاجة، ووضع آليات للوصول إليها، وتأمين مساعدات مالية أو عينية مباشرة. وغالباً ما يتم الترويج لهذه البرامج باعتبارها حلولًا فعالة، خصوصاً مع إدخال تقنيات حديثة في توزيع المساعدات، ما يعطي الانطباع بوجود نظام متكامل يراعي حاجات الفقراء.
غير أن هذه البرامج المؤقتة، رغم ضرورتها في الحالات الطارئة، تفتقر إلى الرؤية الشاملة التي تتطلبها السياسات الاجتماعية الحقيقية، إذ تظلّ محدودة الأثر وغير مستدامة، وتنتهي فعاليتها بانتهاء التمويل المخصّص لها. في المقابل، تعتمد السياسات الاجتماعية الفعالة على استراتيجيات متكاملة متوسطة وطويلة المدى تُؤمّن للمواطنين حقوقاً مكتسبة في مجالات الصحة والتعليم والعمل والسكن والحماية الاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء بمساعدات آنية لا تعالج جذور الأزمات؛ كما أنها لا بد أن تغطي مختلف أبعاد التنمية الاجتماعية لا أن تقتصر على تدخل جزئي لفئة محددة من المواطنين، مع مراعاة الأولويات.
الحماية الاجتماعية في لبنان: بين الاستراتيجيات والإجراءات التنفيذية
في لبنان، اعتمدت الحكومات المتعاقبة مقاربات متفاوتة لمعالجة الأوضاع الاجتماعية، بين محاولات لإقرار إصلاحات بنيوية وبين تنفيذ إجراءات طارئة لا ترقى إلى مستوى السياسات الاجتماعية المستدامة.
في هذا السياق، أقرت حكومة نجيب ميقاتي في نيسان/أبريل 2022 الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، التي تقوم على مبدأ التغطية الشاملة، شهراً واحداً قبل الانتخابات النيابية، وتستند إلى خمسة مرتكزات رئيسية:
1. المساعدات الاجتماعية، لدعم الفئات الأكثر فقراً وهشاشة.
2. التأمين الاجتماعي، لتأمين الحماية الاجتماعية للعاملين وأسرهم.
3. الرعاية الاجتماعية، تنمية ودعم القوى العاملة الاجتماعية.
4. الوصول المالي الى الخدمات الأساسية لاسيما الصحة والتعليم.
5. الاندماج الاقتصادي وتنشيط سوق العمل.
إلى جانب هذه الاستراتيجية، عملت لجنة الصحة النيابية على إقرار قانون التغطية الصحية الشاملة، كما أُقرّ قانون يُعنى بالمعاشات التقاعدية، باعتبارها جزءاً من برامج رعاية المسنين. كما جرى اعتماد برامج تحويل نقدي لبعض الفئات السكانية المحددة، في سياق ما يُعرف بأرضية الحماية الاجتماعية، وإن كان الأمر لم يرتق بشكل ممنهج إلى هذا المستوى بقدر ما كان برامج تحويلات نقدية إضافية لا أكثر.
التحديات والبدائل المستدامة
على الرغم من هذه البرامج والخطط، فإن تنفيذها لا يزال يواجه تحديات عديدة، أبرزها:
• عدم تبني تنفيذ وتفعيل وتطوير الخطة الوطنية للحماية الاجتماعية بشكل فعلي وممنهج، والإبقاء على الطابع المجزأ للبرامج على حساب التكامل والاستدامة.
• غياب التكامل بين التدخلات والبرامج الجديدة التي أُقرت خلال العقد الأخير، مع الأنظمة التقليدية للمساعدات الاجتماعية والصحية.
• غياب التمويل المستدام، حيث تعتمد معظم البرامج على منح ومساعدات خارجية مؤقتة.
• الضعف في منظومة حوكمة الحماية الاجتماعية والسياسات الاجتماعية، مما يزيد من هدر الموارد المالية وعدم وصول المساعدات إلى مستحقيها.
• ضعف البنية التحتية للخدمات العامة، مثل المستشفيات والمدارس ووسائل النقل العام، وتهميش دور مراكز الخدمات الإنمائية لوزارة الشؤون الاجتماعية، مما يزيد الأعباء على الأسر الفقيرة.
وبالنظر إلى هذه التحديات، فإن تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز تقديم المساعدات المباشرة، لتشمل:
• تطوير الخطة الوطنية للحماية الاجتماعية وتحويلها إلى خطة وطنية للتنمية الاجتماعية تلحظ بالضرورة البعد اللامركزي.
• إصلاح النظام الضريبي، لضمان توزيع عادل للثروة وتحقيق التوازن الاجتماعي.
• تحسين الخدمات العامة، بما في ذلك التعليم والصحة والنقل، لتخفيف العبء المالي عن المواطنين.
• تعزيز برامج دعم التشغيل والعمل اللائق، عبر تطوير سياسات تشغيل عادلة ومشاريع تنموية تحفّز النمو الاقتصادي.
• تطوير دور وزارة الشؤون الاجتماعية وتحويلها إلى وزارة للتنمية الاجتماعية والمحلية، وإعادة تشكيل وتفعيل اللجنة الوزارية للشأن الاجتماعي بما يضمن التنسيق والتكامل بين وزارات الشؤون الاجتماعية والتربية والصحة والعمل.
إصلاح المؤسسات وضمان عدالة التغطية الصحية
بالإضافة إلى ذلك، لا بد من الانطلاق من إصلاح المؤسسات القائمة التي تضطلع بأدوار متفاوتة في توفير التأمين الاجتماعي وتقديم الخدمات الاجتماعية، إذ يتميّز النظام الصحي والاجتماعي في لبنان بتعدد الجهات التي توفر التغطية الصحية وفقًا للفئات المستفيدة. فهو يجمع بين:
• الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي يوفّر التغطية للعاملين في القطاع الخاص.
• تعاونية موظفي الدولة، التي تؤمن الخدمات للعاملين في القطاع العام.
• الخدمات الصحية للقوات المسلحة، المخصّصة للعسكريين وأفراد الأجهزة الأمنية.
• وزارة الصحة العامة، التي تقدم خدماتها للمواطنين غير المشمولين بأي من الأنظمة المذكورة، من خلال تغطية الاستشفاء في المستشفيات الحكومية والخاصة.
إن تحقيق التكامل بين هذه المؤسسات في إطار استراتيجية وطنية للتنمية الاجتماعية، وتفعيل دورها وتحسين أدائها، يشكّل خطوة أساسية للشروع في تصميم سياسات حماية اجتماعية شاملة، تكفل الحق في الرعاية الصحية لجميع المواطنين، بعيداً عن التمييز بين الفئات المستفيدة، وتضمن عدالة في توزيع الموارد، وتحدّ من الهدر والفساد الإداري الذي يُضعف فعالية هذه المؤسسات. وفي كل ذلك، لا بد من احترام اللامركزية ومتطلبات التنمية المحلية، وتعزيز المشاركة الفعالة لمنظمات المجتمع المدني، بما في ذلك المجلس الاقتصادي والاجتماعي والنقابات، في صياغة هذه الاستراتيجيات أو الخطط الوطنية. فالمجتمع المدني اللبناني، بجمعياته ومنظماته المتعددة، كان ولا يزال طرفًا أساسيًا في توفير الخدمات والتأثير في السياسات الاجتماعية، وهذه ثروة ونقطة قوة للمجتمع والدولة اللبنانيين.
الخلاصة
إن معالجة الأوضاع الاجتماعية في لبنان تتطلب رؤية شاملة ونهجاً مختلفاً عن المقاربات التقليدية التي تعتمد على التدخلات السريعة، لكنها غير المستدامة. فالحلول الفعالة هي تلك التي تؤسس لنظام حماية اجتماعية متكامل، يضمن للمواطنين حقوقاً مكتسبة بدلاً من الاكتفاء بتقديم مساعدات ظرفية. وبالتالي، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية يستدعي إصلاحات جذرية تضمن حقوق المواطنين، بدلاً من الاستمرار في السياسات الترقيعية التي تُؤجّل الأزمات ولا تحلّها.
يشكل ذلك، من بين أمور أخرى تعد الحكومة بإنجازها، رافعة للتجربة التي ستحاول المنظومة وأدها كي لا تتكرر، والتفافا شعبيا يعزز من حضور قوى التغيير والمعارضة.
نبض