الرئيس المكلف نواف سلام.
دكتور طلال خوجة
لم نكن نلتقي بشكل خاص أنا والرفيق نواف عندما جمعتنا منظمة يسارية أسسها محسن ابراهيم وأحمد بيضون ووضاح شرارة وفواز طرابلسي وآخرون.
تكونت منظمة العمل الشيوعي في لبنان من اندماج تنظيمات اشتراكية وقومية تفاعلت فكرياً وسياسياً وثورياً بعد هزيمة الرمز القومي العربي عبد الناصر في حرب 1967 التي شنتها إسرائيل على دول الطوق، فاحتلت ما تبقى من فلسطين بما فيها القدس الشرقية، فضلاً عن الجولان السورية وسيناء المصرية، التي استردتها مصر بعد حروب مكلفة ومفاوضات مضنية ومعاهدة سلام، كانت الأولى بين إسرائيل ودولة عربية.
كان التأثير الثوري الفلسطيني غالباً على المنظمة الشيوعية الجديدة، علما أن محسن ابراهيم الذي رأسها حتى رحيله، كان صديقاً لعبد الناصر ودافع عنه في مجلة الحرية في أعقاب الهزيمة. لم أكن أنتمي للمجموعات البيروتية في المنظمة التي احتضنت نخباً ثقافية واجتماعية وطلابية من بينها نواف سلام. شخصياً كنت أتأرجح بين الفرع الطرابلسي الشمالي، الذي ترأسه ابن الأسواق الشعبية عبد الفتاح سوق ونهلا الشهال المولودة لعائلة شيوعية من أب شركسي طرابلسي ومن أم كلدانية من البصرة، وبين الفرع الجامعي في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية الذي ترأسه الوائلي المشاغب نصير بك الأسعد المطرود من الجامعة اليسوعية والذي ضم خليطاً متنوعاً عابراً للطوائف والمناطق.
جذبت المنظمة الشيوعية الجديدة آنذاك الكثير من النخب الشبابية والثقافية المحبطة قومياً والثائرة لبنانياً وفلسطينياً، كما احتضنت مجموعات عمالية وفلاحية، ما أثار مواجهات فكرية وسياسية وأحيانا صدامات ميدانية بالأيدي في الجامعات مع الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان البعض منا ينتقد تبعيته للسوفيات ساخراً بالقول إن "أعضاءه يحملون الشماسي في لبنان عندما تمطر في موسكو"، بينما كان رفاق الحزب ينعتون المنظمة بالطفولة اليسارية ويسخرون من احتضانها حكومة الظل المكونة من الثلاثي سمير فرنجية ونواف سلام ونصير الأسعد، اذ إن الأول هو ابن أخ رئيس الجمهورية والثاني ابن أخ رئيس الحكومة والثالث هو من صلب عائلة رئيس مجلس النواب.
التقيت د.نواف في "الكواليتي إن" في طرابلس حين كلفت بإدارة حوار حول مشروع قانون الانتخابات المعد من قبل لجنة فؤاد بطرس، بين نخب طرابلسية ووفد من اللجنة تقدمه د.نواف المتعدد المواهب والشهادات في السياسة والحقوق والتاريخ. كانت حرب 2006 التي استجرّها "حزب الله" على لبنان عندما قام بعملية عسكرية نوعية، رغم تعهدات نصرالله بالانضباط، بعد يوم من فشل مفاوضات فيينا بين راعيه الإيراني والوكالة الدولية، بالكاد قد توقفت بالقرار الدولي الذائع الصيت 1701. وهو القرار الذي تواطأ عملياً الحزب وإسرائيل على عدم تنفيذه كاملاً. إلا أن الهدوء الذي رافق وقف إطلاق النار لعقدين شكّل فرصة ذهبية لإعمار وتطوير الجنوب، ساهمت فيها قوات اليونيفيل الدولية متعددة الانتماء. وكان السيد نصرالله قد أعلن النصر الإلهي بخطاب مليء بالصواريخ من كل العيارات رغم مشهد الموت والدمار الرهيب، ما جعلني افتتح الجلسة بمقدمة صغيرة بعنوان التصويت من فوهة الصواريخ. وبالفعل فقد تحول وهج هذه الصواريخ إلى مفاتيح تصويت من العيار الثقيل في البرلمان والحكم والحكومة، بعد مسلسل الاغتيالات والاعتصامات و 7 أيار والدوحة وone way ticket، وصولاً إلى القبض على مفاصل البلد جميعه، بالتواطؤ مع عبدة السلطة ومفاسدها ورؤساء القبائل اللبنانية من كل الطوائف والمناطق والفئات، وخصوصاً التيار العوني الذي لهث وراء المغانم بأي ثمن.
وباستذكار حرب 2006 أتذكر "الرفيق إيلي" الذي شارك في المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب عندما قال لي في الأيام الأولى للحرب: نحن بطبيعة الحال ضد العدو الاسرائيلي، ومع ذلك الله يساعدنا على تحمل "انتصار حزبه" وراعيته إيران وعموم الممانعين. وإيلي كان طبعا على حق لأن تسييل الانتصار المزعوم كان في الاستقواء على اللبنانيين وبدء إخضاعهم لسطوة السلاح وتصفية نتائج انتفاضة 14 آذار التي فجرها زلزال اغتيال الحريري. وللمفارقة فإنه لم يكن ممكناً انتخاب الجنرال الآدمي جوزف عون الذي حفظ مؤسسة الجيش الوطنية في أعقد الظروف وتكليف القاضي المثقف نواف سلام، لولا هزيمة الحزب وإيران في الحرب الوحشية الأخيرة التي استجرها هذا الحزب أيضاً، حين بادر بحرب الإسناد المدارة إيرانياً واستغلتها إسرائيل للإعداد والتوقيت المناسبين، مدعومة من الولايات المتحدة والغرب عموماً. علماً أن السيد نصرالله صم آذانه عن كل المناشدات الداخلية والعربية والدولية بوقف إسناده العقيم لغزة المنكوبة بالحرب الهمجية الصهيونية التي كانت قد استجرتها عملية طوفان الأقصى الحماسية. فبين مشهد السيد نصرالله يعلن النصر الإلهي مزهواً في 2006 ومشهد جثمانه المنتظر الدفن الشعبي في 2025 بعد الاغتيال المفجع والدمار الرهيب، تقع المفارقة الكبيرة. وما يزيد هذه المفارقة سوريالية رغم واقعيتها السياسية هو السيرة الوطنية والعروبية والأكاديمية للرئيس المكلف، حيث واجه من منصات مختلفة المشاريع الصهيونية في الاحتلال والاستيطان والتطهير والإبادة.
المسافة بين المشهدين قطعتها تحولات هائلة في المنطقة والعالم، حيث الصراع الدولي بين الحيتان والتماسيح على مقدرات الكوكب وصولاً للفضاء على أشده. فقد أعاد الناخبون الأميركيون دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو كان قد أرسل جماعته من المتطرفين لاقتحام "الكابيتول هيل" في 2021/١/6 في محاولة فاشلة لقلب نتائج الانتخابات. والرئيس ترامب قال في نفس المكان بعد أربع سنوات في حفل تنصيبه، إن الله أنقذه من الاغتيال لأداء مهمة جعل أميركا عظيمة من جديد (maga)، وكان محاطاً بثلاثي قوة المال والتكنولوجيا الناعمة وجنون العظمة، في دلالة واضحة على أهداف وعناوين وأدوات الصراع مع الصين وروسيا وغيرهما من القوى الصاعدة وصولاً إلى تطويع أوروبا نفسها معقل الحضارة الغربية، عازفاً على أوتار الشعبوية الحديثة المصقولة بالذكاء الاصطناعي والحركة الإنجيلية/ اليهودية، والمصحوبة بعقلية تاجر العقارات، وفي هذا يتقاطع ترامب مع خصمه تاجر السجاد الإيراني. علماً أن ترامب الثاني اختار الفارّ من العدالة الدولية بيبي نتنياهو كأول مسؤول "أجنبي" يستحضر إلى البيت الأبيض، في تأكيد على أهمية وأسبقية الدولة العبرية في الشرق الأوسط الجديد/القديم، وعلى اعتبارها الشرطي الأساسي المدجج بالسلاح الفتاك والاقتصاد النوعي والإيديولوجيا القومية والدينية. الاقتصاد يتغير والسياسة تتغير والأفكار تتغير وأدوات التغيير تتغير، والنجاة من أن نبتلع من الحيتان أو نمزق في أفواه التماسيح مهمة راهنة لا تحتمل التأجيل، وإن كانت تتطلب التبصر واتباع قانون ثنائية الصلابة والمرونة.
يضمر هذا الكلام أن الفرصة المتاحة أمام الثنائي عون/سلام محفوفة بالمخاطر ومزروعة بالألغام. فالتركة ثقيلة، وحزب الله مازال يزمجر، رغم معرفته بأن مرحلة فائض القوة قد انتهت إلى غير رجعة، خصوصاً بعد فرار حليفه المجرم بشار الاسد وبداية العودة السورية إلى الحضن العربي. كما أن زعماء باقي القبائل اللبنانية مازالوا يبحثون عن ترف المكاسب والمغانم ويغلفونها بحقوق الطوائف والجماعات، وعينهم على الانتخابات المقبلة. والثنائي عون/سلام يحاولان إمساك العصا من الوسط وإنجاز حكومة تلتزم بالمواصفات الواردة في خطابي القسم والتكليف دون مواجهات مؤذية.
الواقع أن كثراً من نخب وكوادر انتفاضتي 14 آذار و17 تشرين يتمنون على د.نواف أن يشكل حكومة مستقلة عن الأحزاب الطائفية، مستنداً إلى قوة الدفع العربية والدولية والمحتضنة من أكثرية اللبنانيين من خارج القطعان وذئابها. ورغم قوة الدفع وقوة الأمل، إلا أن الرئيس نواف يعرف التركيبة اللبنانية المعقدة، ويدرك أننا لسنا أمام ثورة ديمقراطية جارفة في المجتمع اللبناني. ويدرك أيضاً خطر المناورة الميثاقية، ما يستدعي الحذر من تقديم هدايا مجانية للثنائي الشيعي وللحزب الذي جلب الويلات للبنان وللبيئة الشيعية خصوصاً.
أمام الحكومة العتيدة تحديات في تنفيد القرار 1701 بكافة مندرجاته، وفي البدء بالإصلاحات، وفي حل أزمة المودعين والقطاع المصرفي، وفي الإعداد لإعادة الإعمار، وفي إنجاز الانتخابات، بقانون مختلف عن القانون المذهبي المشوّه. الحكومة بحاجة لثقة اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي وليس ثقة الكتل النيابية فقط. ورغم عناصر التغيير التي ستحتويها بالتأكيد، فهي لن تكون على مستوى طموح اللبنانيين الذين عليهم أن يشمروا عن سواعدهم في معركة إعادة بناء الدولة بعد كل هذا الخراب في جميع مرافقها الخاصة والعامة وفي بناها الفوقية والتحتية وفي مؤسساتها التي نخرها الفساد. واللبنانيون الذين لطالما شبهوا بلدهم بطائر الفينيق، أعادوا مؤخراً اكتشاف اتفاق الطائف والدستور اللبناني الذي هو سلاحهم الرئيسي في بناء دولة حرة سيدة عادلة وتساوي بين أبنائها. وحتى العلمانيون ودعاة الدولة المدنية الصافية وهم كثر وبينهم أصحاب السوابق اليسارية، يعرفون أن تطبيق الدستور الحالي بكافة بنوده يشكل الممر الإجباري للعبور اللاحق نحو المواطنة الحديثة والخروج من أسر الطائفية. علما أن لغة الطائفية والكراهية الدينية والعرقية عادت لتطل من أكثر من مكان في العالم، مستعيدة لغة هانتنغتون وصدام الحضارات. ومع أن الحكومة لن تكون نهاية المطاف في معركة اللبنانيين طويلة النفس نحو بناء الدولة العادلة والحرة والمتناغمة مع نظام المصالح العربية، إلا أن تكوينها سيكون له تأثير كبير في مقاربة التحديات والمهام المنتظرة وفي طبيعة المواجهة الديمقراطية السلمية التي سيخوضها اللبنانيون من كل الضفاف المدنية والسياسية في معركة استعادة الدولة.
لا ندعو لاسحضار تجارب حزبية باتت من الماضي حتى في عقر دارها الأوروبي الأساسي، وإن كنا نأمل الاستفادة من دروسها الفكرية والسياسية ورالبرامجية. ومع ذلك فنحن نحث جميع القوى الناشطة على تطوير التشكيلات المدنية والسياسية العابرة للطوائف والمناطق وإيجاد القواسم المشتركة بينها لتأسيس تيارات سياسية واسعة مرنة، وليس مجموعات ومنابر فقط قليلة الفعالية على أهميتها. كما نحض القوى والفعاليات الناشطة التي يجمعها سلاح الدستور وتنطلق من اعتبارات ديمقراطية وتحمل مقاربات فكرية وسياسية متقاطعة، على التواضع والحوار وعلى وقف المناوشات العبثية، خصوصاً على الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، فلا يجب إضعاف الفرصة التي أوصلت الى تكليف شخص من عيار نواف سلام بجدل حول جنس الملائكة، خصوصاً أن الشياطين تحاول تجويف هذه الفرصة، فهل نتعظ ونهدأ؟
لم نكن نلتقي بشكل خاص أنا والرفيق نواف عندما جمعتنا منظمة يسارية أسسها محسن ابراهيم وأحمد بيضون ووضاح شرارة وفواز طرابلسي وآخرون.
تكونت منظمة العمل الشيوعي في لبنان من اندماج تنظيمات اشتراكية وقومية تفاعلت فكرياً وسياسياً وثورياً بعد هزيمة الرمز القومي العربي عبد الناصر في حرب 1967 التي شنتها إسرائيل على دول الطوق، فاحتلت ما تبقى من فلسطين بما فيها القدس الشرقية، فضلاً عن الجولان السورية وسيناء المصرية، التي استردتها مصر بعد حروب مكلفة ومفاوضات مضنية ومعاهدة سلام، كانت الأولى بين إسرائيل ودولة عربية.
كان التأثير الثوري الفلسطيني غالباً على المنظمة الشيوعية الجديدة، علما أن محسن ابراهيم الذي رأسها حتى رحيله، كان صديقاً لعبد الناصر ودافع عنه في مجلة الحرية في أعقاب الهزيمة. لم أكن أنتمي للمجموعات البيروتية في المنظمة التي احتضنت نخباً ثقافية واجتماعية وطلابية من بينها نواف سلام. شخصياً كنت أتأرجح بين الفرع الطرابلسي الشمالي، الذي ترأسه ابن الأسواق الشعبية عبد الفتاح سوق ونهلا الشهال المولودة لعائلة شيوعية من أب شركسي طرابلسي ومن أم كلدانية من البصرة، وبين الفرع الجامعي في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية الذي ترأسه الوائلي المشاغب نصير بك الأسعد المطرود من الجامعة اليسوعية والذي ضم خليطاً متنوعاً عابراً للطوائف والمناطق.
جذبت المنظمة الشيوعية الجديدة آنذاك الكثير من النخب الشبابية والثقافية المحبطة قومياً والثائرة لبنانياً وفلسطينياً، كما احتضنت مجموعات عمالية وفلاحية، ما أثار مواجهات فكرية وسياسية وأحيانا صدامات ميدانية بالأيدي في الجامعات مع الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان البعض منا ينتقد تبعيته للسوفيات ساخراً بالقول إن "أعضاءه يحملون الشماسي في لبنان عندما تمطر في موسكو"، بينما كان رفاق الحزب ينعتون المنظمة بالطفولة اليسارية ويسخرون من احتضانها حكومة الظل المكونة من الثلاثي سمير فرنجية ونواف سلام ونصير الأسعد، اذ إن الأول هو ابن أخ رئيس الجمهورية والثاني ابن أخ رئيس الحكومة والثالث هو من صلب عائلة رئيس مجلس النواب.
التقيت د.نواف في "الكواليتي إن" في طرابلس حين كلفت بإدارة حوار حول مشروع قانون الانتخابات المعد من قبل لجنة فؤاد بطرس، بين نخب طرابلسية ووفد من اللجنة تقدمه د.نواف المتعدد المواهب والشهادات في السياسة والحقوق والتاريخ. كانت حرب 2006 التي استجرّها "حزب الله" على لبنان عندما قام بعملية عسكرية نوعية، رغم تعهدات نصرالله بالانضباط، بعد يوم من فشل مفاوضات فيينا بين راعيه الإيراني والوكالة الدولية، بالكاد قد توقفت بالقرار الدولي الذائع الصيت 1701. وهو القرار الذي تواطأ عملياً الحزب وإسرائيل على عدم تنفيذه كاملاً. إلا أن الهدوء الذي رافق وقف إطلاق النار لعقدين شكّل فرصة ذهبية لإعمار وتطوير الجنوب، ساهمت فيها قوات اليونيفيل الدولية متعددة الانتماء. وكان السيد نصرالله قد أعلن النصر الإلهي بخطاب مليء بالصواريخ من كل العيارات رغم مشهد الموت والدمار الرهيب، ما جعلني افتتح الجلسة بمقدمة صغيرة بعنوان التصويت من فوهة الصواريخ. وبالفعل فقد تحول وهج هذه الصواريخ إلى مفاتيح تصويت من العيار الثقيل في البرلمان والحكم والحكومة، بعد مسلسل الاغتيالات والاعتصامات و 7 أيار والدوحة وone way ticket، وصولاً إلى القبض على مفاصل البلد جميعه، بالتواطؤ مع عبدة السلطة ومفاسدها ورؤساء القبائل اللبنانية من كل الطوائف والمناطق والفئات، وخصوصاً التيار العوني الذي لهث وراء المغانم بأي ثمن.
وباستذكار حرب 2006 أتذكر "الرفيق إيلي" الذي شارك في المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب عندما قال لي في الأيام الأولى للحرب: نحن بطبيعة الحال ضد العدو الاسرائيلي، ومع ذلك الله يساعدنا على تحمل "انتصار حزبه" وراعيته إيران وعموم الممانعين. وإيلي كان طبعا على حق لأن تسييل الانتصار المزعوم كان في الاستقواء على اللبنانيين وبدء إخضاعهم لسطوة السلاح وتصفية نتائج انتفاضة 14 آذار التي فجرها زلزال اغتيال الحريري. وللمفارقة فإنه لم يكن ممكناً انتخاب الجنرال الآدمي جوزف عون الذي حفظ مؤسسة الجيش الوطنية في أعقد الظروف وتكليف القاضي المثقف نواف سلام، لولا هزيمة الحزب وإيران في الحرب الوحشية الأخيرة التي استجرها هذا الحزب أيضاً، حين بادر بحرب الإسناد المدارة إيرانياً واستغلتها إسرائيل للإعداد والتوقيت المناسبين، مدعومة من الولايات المتحدة والغرب عموماً. علماً أن السيد نصرالله صم آذانه عن كل المناشدات الداخلية والعربية والدولية بوقف إسناده العقيم لغزة المنكوبة بالحرب الهمجية الصهيونية التي كانت قد استجرتها عملية طوفان الأقصى الحماسية. فبين مشهد السيد نصرالله يعلن النصر الإلهي مزهواً في 2006 ومشهد جثمانه المنتظر الدفن الشعبي في 2025 بعد الاغتيال المفجع والدمار الرهيب، تقع المفارقة الكبيرة. وما يزيد هذه المفارقة سوريالية رغم واقعيتها السياسية هو السيرة الوطنية والعروبية والأكاديمية للرئيس المكلف، حيث واجه من منصات مختلفة المشاريع الصهيونية في الاحتلال والاستيطان والتطهير والإبادة.
المسافة بين المشهدين قطعتها تحولات هائلة في المنطقة والعالم، حيث الصراع الدولي بين الحيتان والتماسيح على مقدرات الكوكب وصولاً للفضاء على أشده. فقد أعاد الناخبون الأميركيون دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو كان قد أرسل جماعته من المتطرفين لاقتحام "الكابيتول هيل" في 2021/١/6 في محاولة فاشلة لقلب نتائج الانتخابات. والرئيس ترامب قال في نفس المكان بعد أربع سنوات في حفل تنصيبه، إن الله أنقذه من الاغتيال لأداء مهمة جعل أميركا عظيمة من جديد (maga)، وكان محاطاً بثلاثي قوة المال والتكنولوجيا الناعمة وجنون العظمة، في دلالة واضحة على أهداف وعناوين وأدوات الصراع مع الصين وروسيا وغيرهما من القوى الصاعدة وصولاً إلى تطويع أوروبا نفسها معقل الحضارة الغربية، عازفاً على أوتار الشعبوية الحديثة المصقولة بالذكاء الاصطناعي والحركة الإنجيلية/ اليهودية، والمصحوبة بعقلية تاجر العقارات، وفي هذا يتقاطع ترامب مع خصمه تاجر السجاد الإيراني. علماً أن ترامب الثاني اختار الفارّ من العدالة الدولية بيبي نتنياهو كأول مسؤول "أجنبي" يستحضر إلى البيت الأبيض، في تأكيد على أهمية وأسبقية الدولة العبرية في الشرق الأوسط الجديد/القديم، وعلى اعتبارها الشرطي الأساسي المدجج بالسلاح الفتاك والاقتصاد النوعي والإيديولوجيا القومية والدينية. الاقتصاد يتغير والسياسة تتغير والأفكار تتغير وأدوات التغيير تتغير، والنجاة من أن نبتلع من الحيتان أو نمزق في أفواه التماسيح مهمة راهنة لا تحتمل التأجيل، وإن كانت تتطلب التبصر واتباع قانون ثنائية الصلابة والمرونة.
يضمر هذا الكلام أن الفرصة المتاحة أمام الثنائي عون/سلام محفوفة بالمخاطر ومزروعة بالألغام. فالتركة ثقيلة، وحزب الله مازال يزمجر، رغم معرفته بأن مرحلة فائض القوة قد انتهت إلى غير رجعة، خصوصاً بعد فرار حليفه المجرم بشار الاسد وبداية العودة السورية إلى الحضن العربي. كما أن زعماء باقي القبائل اللبنانية مازالوا يبحثون عن ترف المكاسب والمغانم ويغلفونها بحقوق الطوائف والجماعات، وعينهم على الانتخابات المقبلة. والثنائي عون/سلام يحاولان إمساك العصا من الوسط وإنجاز حكومة تلتزم بالمواصفات الواردة في خطابي القسم والتكليف دون مواجهات مؤذية.
الواقع أن كثراً من نخب وكوادر انتفاضتي 14 آذار و17 تشرين يتمنون على د.نواف أن يشكل حكومة مستقلة عن الأحزاب الطائفية، مستنداً إلى قوة الدفع العربية والدولية والمحتضنة من أكثرية اللبنانيين من خارج القطعان وذئابها. ورغم قوة الدفع وقوة الأمل، إلا أن الرئيس نواف يعرف التركيبة اللبنانية المعقدة، ويدرك أننا لسنا أمام ثورة ديمقراطية جارفة في المجتمع اللبناني. ويدرك أيضاً خطر المناورة الميثاقية، ما يستدعي الحذر من تقديم هدايا مجانية للثنائي الشيعي وللحزب الذي جلب الويلات للبنان وللبيئة الشيعية خصوصاً.
أمام الحكومة العتيدة تحديات في تنفيد القرار 1701 بكافة مندرجاته، وفي البدء بالإصلاحات، وفي حل أزمة المودعين والقطاع المصرفي، وفي الإعداد لإعادة الإعمار، وفي إنجاز الانتخابات، بقانون مختلف عن القانون المذهبي المشوّه. الحكومة بحاجة لثقة اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي وليس ثقة الكتل النيابية فقط. ورغم عناصر التغيير التي ستحتويها بالتأكيد، فهي لن تكون على مستوى طموح اللبنانيين الذين عليهم أن يشمروا عن سواعدهم في معركة إعادة بناء الدولة بعد كل هذا الخراب في جميع مرافقها الخاصة والعامة وفي بناها الفوقية والتحتية وفي مؤسساتها التي نخرها الفساد. واللبنانيون الذين لطالما شبهوا بلدهم بطائر الفينيق، أعادوا مؤخراً اكتشاف اتفاق الطائف والدستور اللبناني الذي هو سلاحهم الرئيسي في بناء دولة حرة سيدة عادلة وتساوي بين أبنائها. وحتى العلمانيون ودعاة الدولة المدنية الصافية وهم كثر وبينهم أصحاب السوابق اليسارية، يعرفون أن تطبيق الدستور الحالي بكافة بنوده يشكل الممر الإجباري للعبور اللاحق نحو المواطنة الحديثة والخروج من أسر الطائفية. علما أن لغة الطائفية والكراهية الدينية والعرقية عادت لتطل من أكثر من مكان في العالم، مستعيدة لغة هانتنغتون وصدام الحضارات. ومع أن الحكومة لن تكون نهاية المطاف في معركة اللبنانيين طويلة النفس نحو بناء الدولة العادلة والحرة والمتناغمة مع نظام المصالح العربية، إلا أن تكوينها سيكون له تأثير كبير في مقاربة التحديات والمهام المنتظرة وفي طبيعة المواجهة الديمقراطية السلمية التي سيخوضها اللبنانيون من كل الضفاف المدنية والسياسية في معركة استعادة الدولة.
لا ندعو لاسحضار تجارب حزبية باتت من الماضي حتى في عقر دارها الأوروبي الأساسي، وإن كنا نأمل الاستفادة من دروسها الفكرية والسياسية ورالبرامجية. ومع ذلك فنحن نحث جميع القوى الناشطة على تطوير التشكيلات المدنية والسياسية العابرة للطوائف والمناطق وإيجاد القواسم المشتركة بينها لتأسيس تيارات سياسية واسعة مرنة، وليس مجموعات ومنابر فقط قليلة الفعالية على أهميتها. كما نحض القوى والفعاليات الناشطة التي يجمعها سلاح الدستور وتنطلق من اعتبارات ديمقراطية وتحمل مقاربات فكرية وسياسية متقاطعة، على التواضع والحوار وعلى وقف المناوشات العبثية، خصوصاً على الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، فلا يجب إضعاف الفرصة التي أوصلت الى تكليف شخص من عيار نواف سلام بجدل حول جنس الملائكة، خصوصاً أن الشياطين تحاول تجويف هذه الفرصة، فهل نتعظ ونهدأ؟
الأكثر قراءة
سياسة
6/9/2026 10:49:00 PM
روايات متضاربة حول منفذ عملية التسلل إلى إسرائيل
فن ومشاهير
6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.
فن ومشاهير
6/8/2026 1:25:00 PM
أيقونة الاستعراض شريهان تفتح صندوق ذكرياتها في التليفزيون المصري وتكشف لأول مرة عن أجرها الحقيقي في فوازير رمضان و"ألف ليلة وليلة"، وتفجر مفاجأة حول استيحاء بيوت الأزياء العالمية لتصميماتها من إطلالاتها.
نبض