"عاشق" من الجليل الأعلى إلى أرض الرحابنة المسرحية!
ابراهيم توتونجي
يوم 29 نوفمبر 2024، استوقف العابرين في "شارع باريس" وسط العاصمة التونسية، صوت جلبة وتصفيق، تسرب إلى الأرصفة المحاذية والمواجهة لمركز "الفن الرابع". ورغم مرور حافلة "المترو" من الشارع عينه، مخلفة موجة مستقطعة من الصخب الهادر، سرعان ما تبددت، استمر رنين التصفيق المشتعل داخل المسرح في النفاذ خارج الأبواب.
على أحد هذه الأبواب، عُلّق ملصق يحمل صورة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود دوريش، مع شعار "أيام قرطاج المسرحية - الدورة 25"، وعنوان لافت: "العاشق"!
"دموع وزهور"
هو اسم المسرحية الغنائية التي حملتها إلى المهرجان، روح دوريش، المجنّحة في حب تونس، هو صاحب العبارة الشهيرة "كيف نشفى" من حبها؟ بوساطة مسرحي "الجوال" من الجليل و"المجد" من حيفا، مع فرقة من الممثلين والمغنين والراقصين، بإدارة مخرج ومؤلف موسيقي فلسطيني يدين بحبه للمسرح الغنائي، للبنان، وتحديدا لمدرسة الأخوين رحباني وبطلته فيروز: هو نبيل عازر.
على مدى 95 دقيقة، تفاعل الحضور منتشيا مع شعر درويش، مغنّى وممسرحا، بسينوغرافيا أشرف حنّا الثرية، وأُخذ بالأداء العالي للممثلين، وعلى رأسهم حسن طه وإياد شيتي، وباحترافية أداء الحركة للراقصين الذي صممته حلا سالم ولنا زريق. كذلك أصابت حركة كل من علاء شُرّش وديما عازر ولبيب بدارنه وبوليانا قسّيس وماريا سمعان، من قلوب الجمهور سهاما، جعلت جزءا كبيرا منه يردّها دموعا سالت بتأثر، عند نهاية العرض، وزهورا نُثرت على خشبة الفريق الذي حيّا الجمهور بغبطة وتأثر وخفر.
استند العنوان إلى أحد دواوين الشاعر، وإلى القيمة التي تشبث بها طوال حياته بمراحلها الخصبة والمتلونة بالترحال الذي جسده العمل: من قرية "البروة" حيث ولد مطع أربعينيات القرن الماضي، إلى حيفا، ثم بيروت حيث جولات السلم والحرب والمقاومة والهزيمة والحب والتسلط والمجازر، وصولا إلى "منفى" باريس، ومن ثم العودة إلى رام الله. ليس هناك طريق واحد لدرويش، إنما "الشعر هو ما يصنع الطريق"، إن جاز تحوير نبوءة الشاعر الإسباني ماتشادو.
لم يحصل "العاشق" خلال تلك الدورة على جائزة رسمية من المهرجان، لكن ردة فعل الحضور كانت لتمنحه "جائزة الجمهور الأكبر" لو وجدت!

العدالة والجمال
يقطن عازر في مدينة حيفا. وأصوله من قرية في الجليل الأعلى تُسمّى الرامة، ومنها خرج شاعر آخر هو "الشق الثاني" للبرتقالة الفلسطينية، مع درويش، كما يصفه إميل حبيب. نتحدث عن سميح القاسم: "قريتنا لطالما كانت ولّادة. العلم فيها متوارث عبر مدارس عريقة منذ نهاية القرن التاسع عشر. يحب سكانها الفكر والشعر والفن ويمارسونه. كأنّها منارة في الجليل". يصف عازر الرامة في مقابلة خاصة بـ"النهار"، ويضيف:" في ظل هذا التوّهج الفكري، كان من الطبيعي أن أكون أحد المكونات التي انفتحت سريعا على تلقف تأثيرات الفن، ومن ثم إنتاجه في مراحل لاحقة".
درس مخرج "العاشق" الموسيقى، وكانت مجرد رؤيته لآلة كمان تشكل تجربة "مبهرة" له منذ الصغر، وسرعان ما اكتشف فتيّا، تجربة الرحابنة الذين يصفهم بأنهم "ثورة حضارية ليس فقط في الشرق والمحيط العربي وإنما في العالم كله"، مؤكدا أنهم "شكلوا أسلوبا فنيا لا تزال الأجيال إلى يومنا هذا تسير على خطاه".
يقول عازر: "إذا كان الفن تعبيرا جماليا عن علاقة الإنسان بالحياة، فإن الرحابنة، وعاصي في شكل خاص، تمكنوا من أن يدسّوا الجمال وينثروه في موسيقاهم والأغاني في كل مكان، وفي عمق فلسطين وبلاد الداخل فيها".
لا يفصل عازر بين البحث عن الجمال ولغة الالتزام وأفكاره: "عليك أن تفكّر في الجمال لكي تنتصر للعدالة". ومنذ أن كان فتيا، يتحرك بين حيفا والقدس والجليل، صاحبته شرائط مرسيل خليفة الموسيقية، وأغاني فرقة "العاشقين" الشهيرة في ثمانينيات القرن الماضي، وخالد الهبر وزياد الرحباني. فأسس عام 1982 مع رفاقه فرقة موسيقية سمّوها "يعاد" (استلهاما لاسم شخصية رواية إميل حبيبي "المتشائل" والتي تجسد الإرادة والمقاومة) استمر نشاطها لأكثر من 19 عاما، وتضمن جولات في الداخل الفلسطيني والضفة ومناطق أخرى، ووثقت بعض تلك المرحلة في شريط "كاسيت" حمل اسم الفرقة سنة 1986 وآخر تبعه بعد سنوات في زمن الانتفاضة الأولى باسم "زغرودة كانون" تضمن أغنية عن غزة من كلمات الروائي الفلسطيني إبرهيم نصرالله: "صباح لأحلى الشباب... صباح لغزة... للفجر يأتي قريبا".
يتفق حسن طه، الذي كان أحد وجوه درويش في مسرحية "العاشق"، مع مخرجه، على ضرورة وجود مخزون شخصي لدى المبدع في عالم المسرح لكي يستزيد منه. ويكشف في مقابلة خاصة بـ"النهار" أن معينه على أداء هذه الشخصية الثرية "هو قصتي الشخصية مع شتات عائلتي في الداخل والخارج. ومع حلم العودة المنجزة والكاملة، لا المموهة أو المنقوصة، إلى الدمار والنهايات والأشلاء". على واقعنا اليوم، يسقط طه "نبوءات" درويش الشعرية التي ترد في "برولوغ" المسرحية، التي تغنت بأشعار من ملحمة "مأساة النرجس- ملهاة الفضة"، حيث يعود الناس لممارسة كل مشاهد الحياة اليومية في سيناريو متخيل، تبدده كلمة "وكأنهم عادوا".
البحث عن فيروز
تأثّر عازر العميق بالرحابنة جعله يقدم قبل سنوات على تقديم مسرحية غنائية اسمها "الطريق إلى فيروز" (2014)، جمع فيها الدراما مع الكوميديا السوداء، ولفت كل القرى والمدن في الداخل الفلسطيني. تقوم فكرة المسرحية على تخيل مبتكر لثلاث شخصيات من رحم ثلاث أغنيات شهيرة لفيروز هي: "حنا السكران" و"يارا الجدايل" و"صبحي الجيز". تدبّ الحياة في هذه الشخصيات، وتقرر خوض غمار رحلتها التي لا تخلو من صراع نفسي داخلي وخارجي، طمعا بالوصول إلى فيروز لمواجهتها بأسئلة محددة من شأن الإجابات عنها أن تعتق الشخصيات إلى مصائرها: أين ذهبت "ابنة الجيران" التي ينتظرها حنا؟ وماذا حل بأخي يارا الذي "نام على زندها"؟ وما "وصية" صبحي الجيز التي قالها لفيروز، ومن شأنها أن تنقذ الملايين؟
على عادته في مسرحه الموسيقي الغنائي الذي بلغت أعداده أكثر من ستة لليوم، يدمج عازر بين بحث الشخصيات عن شيء مفتقد في حياتها، وهو ما يضفي "معنى الحياة" على مسيرتها في رأيه، والحس الساخر الذي يروق الجمهور، والانتقاد الواضح للأفكار القبلية الضيقة التي تؤدي إلى تنازع المجموعات في ما بينها، الأمر الذي يضعفها ويجعلها لقمة سائغة في فم عدو أكبر. يوجّه، كما هي السمة الواضحة في مسرحيات الرحابنة، سهام النقد إلى الطبقة الحاكمة التي تتلاعب بالجمهور تحقيقا لمكاسب خاصة. تماما مثل شخصية "الوزير الفاسد" في مسرحيته "الطريق إلى فيروز" الذي أراد أن يرافق الشخصيات لكي يستفيد من "وهج" السيدة ويلتقط صورة معها تمنحه قناع الشرف، قبل أن تحدث مواجهة بينهما، يقرر على أثرها العودة إلى الشارع والناس، ليلمّ وثيقة هوية صبحي الجيز التي تركها قرب مكنسته ويتقمص شخصيته، في دلالة على تماهي السلطة مع صوت الجماهير.
تنصح فيروز، في ختام المسرحية المتخيلة والمستلهمة من أغانيها، الشخصيات بأن تبقى كما هي خالدة في الأغاني، وفي الأسئلة، من دون السعي إلى إجابات: "الأغنية كما الحلم لا تحتاج إلى تفسير".

داخل وخارج
لا يفصل المخرج الذي لديه بحسب طه "حس ديموقراطي يتيح للمثل الوصول إلى مفاتيح الإبداع عبر الحوار لا التسلط"، بين خدمة قضيته عبر إثارة موضوعات عن العودة والشتات، وواقع الداخل الفلسطيني ومشاكله اليومية: "لدينا أيضا مشاكلنا الاجتماعية في الداخل الفلسطيني، مثل النزاعات والمخدرات والعنصرية والمواطنة المنقوصة والنظرة الخارجية المليئة منذ النكبة بالكثير من المغالطات التي شكلت ضغطا علينا، وحرمتنا في بعض المرات فرصا كثيرة. ورغم ذلك، أردت مع فريقي أن أنتصر دوما في أعمالي لمفاهيم الخير والعدالة والجمال، كما في مسرح الرحابنة".
في لائحة تلك الأعمال: مسرحية "أذكر" (افتتحت أيام قرطاج المسرحية في 2001) عن شعر الفلسطيني شكيب جهشان، عن الرحيل والعودة. ومسرحية "قطر الندى" عن قصيدة تحمل الاسم نفسه لسميح القاسم عن الخروج الفلسطيني من لبنان على أثر الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في 1982. ومسرحية "خيوط النور" التي مسرح خلالها عازر زجليات الشاعر الشعبي نزيه قسيس، الذي اشتهر بتحوير مسرح شكسبير وكتابات جيمس جويس إلى زجل باللغة العامية، ودسّ فيها نقده للانحياز بين العائلات ومشاهد الانتخابات البلدية في مدن "الداخل". إضافة إلى "حادي القوافل" (2014) عن حياة توفيق الزياد القائد والمثقف الفلسطيني، وصولا إلى مغناة "العاشق" التي ما فتئت تجول في الداخل والخارج الفلسطيني منذ 2019، رغم توقفها القسري بسبب ظروف جائحة "كورونا".
يجلس طه وحيدا على شاطىء البحر في أحد مشاهد المسرحية الغنائية. يقول بإحباط وأسى واصفا حالة الشاعر، ومتحدا مع الذات الفلسطينية: "تبكي كأمير أنزلوه عن عرش الطفولة".
يصفق الجمهور مجددا. يمرّ القطار بسرعة. ينصرف الجمهور. تجفف الدموع. تطفأ الإضاءة. يبقى عازر على الخشبة وحيدا مثل "أمير من الجليل الأعلى"!

نبض