سوريا 2.0
عبدالله الجنيد
عندما طرح السفير جون بولتون (سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة 2005/ ومستشار الأمن القومي 2018) مصطلح "سنّة ستان" Sunni Stan في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2015 عبر مقال نشر عبر صفحة الرأي في "نيويورك تايمز" بعنوان "لهزيمة داعش يجب تأسيس دولة سنية" كمدخل لمعالجة حالة عدم الاستقرار في عموم حوض الرافدين والقضاء على تنظيم "داعش". ذلك المنظور الأميركي يتصل برؤيتين، أولهما ما اُصطلح عليه بالفوضى الخلاقة، أمّا ثانيهما، فهو الشرق الأوسط الجديد، وكلاهما يرتكز إلى اختزال الجغرافيا السياسية شرق أوسطياً بتفرعات هوياتها الدينية والطائفية.
تطوّرات المشهد السوري أكدت بديهيتين، أولهما أن القوى الإقليمية الفاعلة (من منظور التوازن الفعلي للقوى) لا زالت هي الفاعلة على الأرض ممثلة بإيران تركيا وإسرائيل، في حين غاب الثقل العربي من المعادلة التي انتجت سقوط نظام الأسد في دمشق. أما ثانيهما، فإنّ غياب مفهوم تفعيل الأدوات الغليظة للديبلوماسية من قاموس دول الثقل العربي، لن يؤسس لتوازن إقليمي يضمن مصالحها الإستراتيجية وأولها الاستقرار الإقليمي المستدام.
الفراغ السياسي الأمني في سوريا نتج عن تحجيم إيران في سوريا ولبنان من قبل إسرائيل، وارتأت تركيا (منفردة أو بتوافق إقليمي غير مُعلن) ضرورة ملء ذلك الفراغ بالدفع بخيار قد يبدو من "منظورها" أكثر قبولاً إقليمياً شرط إنهائها الأزمة المستعصية في سوريا، إلّا أنّ تركيا (وليس الرئيس أردوغان فقط) تعوّل على تعميد النموذج لكونه الضامن لمصالح قومية تركية وأولها الملف الكردي، وثانيهما تطوير ما تعتبره تركيا حضوراً طبيعياً في الملف الأمني إقليمياً. إمّا إسرائيل، فقد حقّقت هي الأخرى نقلات غير مسبوقة في مفهوم الدفاع عن أمنها القومي، فقد خاضت حرباً على أربع جبهات ("حماس" و"حزب الله" عبر الحدود/ إيران والحوثي من بُعد أيّ حرب جوية وصاروخية) ولمدة تجاوزت العام، وذلك أمر غير مسبوق عبر تاريخها العسكري. أمّا إيرانياً، فقد أثبتت فرضية الدفاع عما تعتبره عمقها الإستراتيجي غرباً بالاعتماد في سيطرتها على جغرافيا سياسية فاشلة على أدوات ولائية ميليشياتيّة قد أثبت فشله عندما اُمتحن بقوة غير متماثلة من حيث القابلية للاستنزاف (حروب الجيل الرابع 4GW).
ما يجب أن يشغل الإقليم هو المفهوم المستقبلي لتوازان القوى من منظور ما تقدم وليس من منظور ما يمكن أن يستقر عليه الحال في سوريا لاحقاً ولأكثر من سبب ومحركات أخرى قد لا تكون ظاهرة مرحلياً وأهمها، إطار العملية السياسية الانتقالية، عودة اللاجئين، وثقل وقنوات التمويل المطلوبة لإعادة تأهيل وإعمار سوريا. وأخيراً الأثقال الإقليمية، ففي حين أن الهواجس التركية قد يمكن تفهمها، إلا أنها وللمرة الأولى تعود إلى دمشق (سياسياً) منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. ثانياً، مفردة الشام في "هيئة تحرير الشام" فهي ذات دلالات يجب الانتباه لما لها ضمن السياق التاريخي للمفردة، أما ثالثاً، فهو إمكانية تكرار النموذج في حال تكرر الفراغ السياسي في نموذج آخر من جغرافيا حوض الرافدين أو أقرب للعمق الاستراتيجي لشبه الجزيرة العربية.
إسرائيلياً، فأن ملف الأقليات سيبقى أحد أهم أوراقها الإستراتيجية إقليمياً، وقد يمثل الدروز ورقة قابلة للتوظيف في ملف تلك التوازنات ضمن الملف السوري إن فشلت هي في تحقيق مشروع دولة وطنية، وقد يمتد ذلك التوظيف لأخرى حال قررت تركيا الاحتفاظ بنموذج إسلامي مؤدلج هوية للدولة في سوريا.
النموذج الإيراني فشل سياسياً واجتماعياً في كلّ ما ادّعته من جغرافيا تمثل عمقها الاستراتيجي، إلا أنها تدرك أن عودتها إلى داخل حدودها الطبيعية يمثل تحدياً وجودياً للنظام في طهران. إلا أن ما يجب أن يشغل الإقليم هو فرضية قابلية التعايش مع آخر منظومتها الإقليمية خارج حدودها ممثلاً بالنموذج الحوثي في اليمن. عليه فأن تحييد الحوثي قد ينتج عنه تحولات قد تدفع بحدوث أمرين، أولها تسريع عودة إيران إلى داخل حدودها الطبيعية، أما ثانياً، فهو انعكاسات ذلك على مفهوم وحالة الدولة في العراق، وما قد يمثله من فرصة لصياغة مفهوم جديد للتوازن الإقليمي شرط إدراك ما تمثله الجغرافيا السياسية المتصلة وليس فقط من منظورها القوميّ.
نبض