النتن والأيزن... أو الأمنيات اللبنانية في الانتخابات الإسرائيلية!
تحليل معمق لتأثير الانتخابات الإسرائيلية على لبنان، مع التركيز على الجنوب، الاحتلال، وحزب الله، وفرص السلام والتسويات الإقليمية المستقبلية.
دخلت الانتخابات الإسرائيلية البيت اللبناني من باب واسع، بعدما خلعت الجرافة الإسرائيلية الباب وهدمت البيت كله. أرض محتلة، وقرى مدمّرة، وجنوبيون بلا مأوى، وزيتون اقتُلع قبل أن يقترع، ومع ذلك، لدينا متّسع لمناقشة المرشح الأنسب: بنيامين نتنياهو أم غدي أيزنكوت؟ ينقصنا فقط أن نختلف على توزيع المقاعد الإسرائيلية بين الطوائف اللبنانية.
توغلنا في هذا التورط حتى اختصرنا التنافس بين "النتن" و"الأيزن"! وفي سوق الأمنيات اللبنانية، يستطيع خصمٌ لـ"حزب الله" أن يرى في انتصار "النتن" فرصة لاستكمال ضرب الحزب، ويرى آخر في رحيله فرصة لتسوية تُعيد للدولة دورها. ويستطيع مؤيدٌ للحزب أن يحتسب سقوطه انتصاراً بأثر رجعي، أو أن يخشى "الأيزن"، أو الجنرال الذي قد يعيد جمع الإسرائيليين بعدما فرّقهم نتنياهو. تتعارض الأمنيات، ويتوحّد المعيار: ماذا يفعل الفائز بحزب الله؟ وكأنّ الاحتلال يصبح تفصيلاً متى أصاب خصمنا السياسي. وبهذه العدسة، يتحوّل كل تصريح إسرائيلي إلى ذخيرة محلية: تهديدٌ للحزب يصبح وعداً بقيام الدولة، وانتقادٌ لنتنياهو يصير اعترافاً بانتصار المقاومة. نقتطع ما يلائمنا، ثم نتّهم خصومنا بأنهم لا يفهمون إسرائيل.
وللمهجّر، بالطبع، الحقّ في أن يتعلّق بأي قشّة تعيده إلى بيته. المشكلة تبدأ حين تتحوّل حاجته إلى النجاة برنامجاً حزبياً: هذا ينتظر من إسرائيل أن تُنجز له نزع السلاح، وذاك ينتظر من ناخبيها شهادة انتصار تُعفيه من مراجعة خيارات الحرب. وبين الانتظارين، يُتقن اللبناني تفسير الخراب، أكثر مما يستطيع وقفه.
قال نتنياهو إنّ إسرائيل ستبقى في منطقتها الأمنية داخل لبنان حتى نزع سلاح الحزب: يصلح هذا الوعد مادة انتخابية، فالأرض اللبنانية دليل إنجاز، والقرى المدمّرة خلفية للصورة. أما السؤال عن مسؤولية قيادته عن كارثة 7 أكتوبر، فيمكن إغراقه بصور القوة. هكذا، تغدو سلامة اللبنانيين بنداً تابعاً في معركة البقاء السياسي.
لكن أيزنكوت ليس موظفاً في جمعية لإعادة إعمار الجنوب. فهو من شرح في عام 2008 استخدام القوة غير المتناسبة وتدمير القرى التي تُطلَق منها النيران، في ما عُرف بعقيدة الضاحية. قد نختلف على البرنامج الانتخابي؛ أمّا الضاحية الجنوبية فتعرف تفاصيل السيرة المهنية. معارضة نتنياهو لا تمنح صاحبها تلقائياً شهادة صداقة للبنان. مع ذلك، للفروق معنى. أيزنكوت يتحدث عن فرصة للسلام مع لبنان وعن ترتيبات إقليمية بضمانات أميركية، وقد يتيح تغيير الحكومة هامشاً مختلفاً للتفاوض، ويخفّف نفوذ شركاء نتنياهو المتطرفين. هذه إمكانية تستحق القراءة، لا بوليصة تأمين. وقد يسعى البديل إلى تثبيت المكاسب العسكرية بتسوية، أو يستخدم القوة لإثبات صلابته. إدارة العداء قد تتغيّر، فيما يبقى الأمن الإسرائيلي معيار القرار.
ثم إنّ الإسرائيليين ينتخبون برلماناً، والحكم تصنعه الائتلافات، لا مسابقة شعبية بين رجلين. تقدّم أيزنكوت لا يضمن له تشكيل الحكومة، وتراجع نتنياهو لا يضمن خروجه الفوري. للأحزاب الصغيرة والعربية، ولشروط الشركاء، وزن لا يظهر في مبارزاتنا التلفزيونية. لدينا موهبة منح المرشحين حكومات قبل أن يجدوا شركاء فيها. والجنوب ليس جزيرة خارج الحسابات الأميركية والإيرانية. فواشنطن تملك أدوات ضغط، وطهران تحسب خسائر حليفها، والمسألة الفلسطينية لا تختفي بقرار انتخابي. التسويات الإقليمية والوقائع الميدانية تؤثر في حدود الممكن، أياً يكن الفائز. لذلك، يحتاج لبنان إلى موقف تفاوضي ومؤسسات قادرة على تنفيذه، لأن انتظار تبدّل المزاج الإسرائيلي ليس سياسة خارجية، ولو قدّمناه على شاشة عملاقة.
هنا الحلقة التي نخدمها بأمنياتنا: الاحتلال والتهجير يمدّان حجة السلاح بأسباب جديدة، واستقلال الحزب بقرار الحرب يترك الدولة مسؤولة عن نتائج لا تتحكّم بمقدماتها. ولا تضمن هزيمة الحزب عسكرياً قيام دولة، كما لا تعني نجاته من الهزيمة نجاة لبنان. إخراج إسرائيل وحصر السلاح بيد الدولة هدفان متلازمان، ورهن أحدهما بإنجاز الآخر وصفة ممتازة لإدامة الاثنين... متخادِمَين: الاحتلال والسلاح.
المطلوب قياس أي فرصة بوقف الاعتداءات، والانسحاب، وعودة الناس، وإعمار قراهم، وسيادة الدولة وقرارها، وضمانات تنفيذ القرار 1701. ومن يريد استثمار اختلاف الإسرائيليين يحتاج أولاً إلى اتفاق اللبنانيين. وفي يوم الفرز، قد يعلن كل فريق فوز "مرشحه"... لكن يبقى أن نسأل جنوبياً جرف الاحتلال منزله: هل عاد بيتك؟
نبض