الحياة وعكسها... الروح ومقامها

مقالات 09-10-2026 | 05:15
الحياة وعكسها... الروح ومقامها
كلنا سنكون مرة جسدا بلا روح أو روحا فارقت الجسد إلى الأبد. الأمل في اللقاء الأكبر، وهذا ميعاد الإنسانية العظيمة
الحياة وعكسها... الروح ومقامها
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

البروفسور حسّان فلحه*

في قناعة الاعتقاد الإنسانيّ ومسلمات قبوله، يذوي الجسد ويضمحل، وغالبا ما ينتهي إلى حفنة من تراب، ربما يكون رطبا أو جافا، غامقا أو فاتحا، أو كبشرة مترددة، متحيرة وضائعة، تختلط عليها رائحة الألوان، والروح تبقى بعده (الجسد)، وقبله قد كانت. منذ أن نفخها في آدم، وهي أسبق من جسد أفلاطون وأوسع منه، أو هي نَفْسُ أرسطو، "مبدأ الحياة في الكائن الحي".

لماذا دائما الحنين للجسد، والأسية في بقاء الروح وهيامها؟ لماذا ينزوي الفرد في وحدته بين الجماعة وهو يبتعد عنها، وتبقى ذاكرته ومخيلته ملتصقتين بها، وبما تقول الجماعة أو تحكمه؟ هي الحياة وعكسها، تضادُ التمرد في صبابة الحنين، وتجانسُ التعاكس في تغير ظروف حياة الإنسان، وجها لوجه. الحياة والموت، افتراضيا، الأخير خارج مجرة الوجود المادي. الروح هي السر الأعظم في الحياة، لا يحوطها أركانُ الوصف المادي، ولا يبلغ الإنسان إدراكها إلا لممُ النقل في توارث الاعتقاد لا في ما رأى العقل، وما أوتي "من العلم إلا قليلا".

الجسد والروح هما وعاء الإنسان وسرّه، مقامهما، عقدة الخوف المزمنة من الفناء، وغريزة حب البقاء السرمدية، حتى لو طغى الظن المريب في سلّم الاعتقاد البشري أن الموت نهاية مقام وبداية آخر، وعلى قاعدة ارتقاء نشوء الاقتناع الزمني أن مقام الروح السفر والترحال.

لقد أجادت المجتمعات القديمة والحديثة على تنوعها واختلافها في صناعة أساطير الموت والبعث. يسقط الجسد ببلوغ ذروة النهاية أو أقصى العمر، والروح تحلق في فضاء الوجود وتسبح. الجسد قد يتصف بالطهر أو عكسه، لكن الروح منزهة عن التدنيس. الإنسان يحنّ إلى ضده، يملّ من غيبة الحضور، ويشتاق في حضرة الغياب. ما بعد الحياة، أو الحياة بعد الموت، وانتقال الروح، هي مسلمات فكرية لاعتقادات يصعب إثباتها أو المحاجاة بقبولها إلا بالرضا والتسليم، أو بالخوف من المجهول البعيد. هي الحيرة الكبرى للإنسان. وقد تكون لكل كائن حي. بعيدا من حسمية المعتقدات وحتمية الأديان، و ما يعزوه الفيلسوف الاسكندراني -اليوناني (بلوتينوس)، أفلوطين من تخمينات عندما لا يعري الروح من انتمائها إلى العالم الأعلى بعدما جاءت إلى العالم الأسفل، إذ لم تنقطع في جزئها الأعلى من اللجوء إلى الأعلى حتى في سَجنِها داخل الجسد، وهذا ما سمّته العرب الهامَة، تشاهد وتصف، تنقل من دون غيبة أو نميمة، مؤتمنة على وقائع الدنيا، وترسلها إلى العالم الأعلى. إنها روح بلا روح، وتأكيدا، روح بلا جسد.