سمير حداد... حين يرحل حارس الحرف وتبقى اللّغة!
روي أبو زيد
ثمّة من يكتب الخبر، وثمّة من يصنع العنوان، وثمّة من يوقّع المقالة باسمه. لكنْ، خلف كلّ هؤلاء، هناك رجل يقرأ بصمت. يفتّش عن حرف سقط، وهمزة ضاعت، وحركة قد تقلب المعنى، وكلمة قد لا تستقيم في موضعها. لأكثر من أربعين عاماً، كان سمير حداد واحداً من حرّاس اللّغة في "النهار".
مرّت أمام عينيه، على صفحات "النهار"، حروب لبنان، رؤساؤه وحكوماته، اغتيالاته وانتفاضاته وأفراحه القليلة وأحزانه الكثيرة. تبدّلت آلات الطباعة، ودخل الكومبيوتر إلى غرف التحرير، ثم جاءت المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتغيّرت الصحافة نفسها مرّات ومرّات. وبقي هو يبحث عن الكلمة الصحيحة.
كان مدقّقاً لغوياً، لكنّ العبارة، على دقّتها المهنية، تبدو أصغر من المَهمّة! فالمدقّق في صحيفة مثل "النهار" ليس مصحّح أخطاء فحسب. إنه آخر من تمرّ أمامه الكلمة قبل أن تصبح جزءاً من ذاكرة الناس. فكم من مقالةٍ أنقذها بلمسة خفيّة، وكم من عنوانٍ أقام أَوَدَه بضمة أو كسرة قبل أن يطرق أبواب المطبعة! وحين تمتد هذه الرسالة لأكثر من أربعة عقود، يمسي الرجل، من حيث يدري أو لا يدري، شريكاً صامتاً في صناعة أرشيف بلد.
ويا للمفارقة المميّزة: مَن أمضى حياته يصحّح حروف الآخرين، عرفه جيل جديد من خلال حروفه هو. خرج سمير حداد من وراء صفحات الجريدة إلى نافذة "السوشيل ميديا"، وحمل معه ما راكمه من معرفة باللّغة والخط. صار يشرح ويصحّح ويعلّم. فاتّسعت طاولته الصغيرة حتى أصبحت صفاً افتراضياً يجمع ملايين المتابعين.
ففي زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُكتب على عجل، وتُنسى على عجل، كان سمير حداد يقف عند كلّ حرفٍ كأنّه أثرٌ تاريخيّ يخشى عليه من الاندثار. لم تكن العين عنده مجرّد حاسّة، بل ميزاناً حسّاساً يزن به استقامة الألف، وانحناءة النون، وموضع النقطة التي إن زاغت قليلاً، اختلّ معها جمال الحرف، وربّما المعنى.
واليوم، رحل الحارس الصامت وأغلق كُرّاسته الأخيرة.
لكنّ الذين يمضون أعمارهم في خدمة اللغة لا يرحلون تماماً. سيبقى أثرٌ من سمير حداد في كلّ حرفٍ علّمه، وفي كلّ خطٍّ حسّنه، وفي كلّ كلمةٍ أعادها إلى صوابها، وفي آلاف الصفحات التي مرّت بين يديه في "النهار".
يرحل حارسٌ من حرّاس الحرف، ويبقى الحرف. تتبدّل الصحافة، وتتغيّر أدوات الكتابة، ويخفت حفيف الورق أمام ضجيج الشاشات، وتسرق السرعة من الكلمات شيئاً من ألقها، لكنّ اللغة ستبقى حيّةً مهما تبدّلت الأزمنة والأدوات، ومهما قيل إنّ زمنها يمضي. سيغيب حرّاسها واحداً تلو الآخر، لكنّها ستظلّ تنجب من يحمل أمانتها من بعدهم!
نبض