بين تل أبيب وأنقرة... ثمة من يبحث عن دمشق

آراء 23-08-2026 | 11:51

بين تل أبيب وأنقرة... ثمة من يبحث عن دمشق

نظرة تحليلية على السياسة السورية المعقدة بين الضربات الإسرائيلية والتعاون التركي والتحديات الداخلية.

بين تل أبيب وأنقرة... ثمة من يبحث عن دمشق
صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهِر حفراً على مدارج «قاعدة أبو الظهور الجوية» قرب إدلب السورية بعد هجوم إسرائيلي (رويترز)
Smaller Bigger

في الثامن عشر من آب/أغسطس الجاري، قصفت الطائرات الإسرائيلية مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، على بعد عشرات الكيلومترات من الحدود التركية. وحين خرج التبرير الإسرائيلي، بدا موجّهاً إلى أنقرة أكثر منه إلى دمشق، إذ تحدّث عن انتشار تركي محتمل في قاعدة قريبة من حلب يعدّ خرقاً لـ"الوضع القائم". وردّت أنقرة باعتبار الضربة انتهاكاً للسيادة السورية.

في تلك الحادثة، تتكثّف المسألة السورية كلها. قاعدة سورية، وقرار تركي، وصاروخ إسرائيلي، ودولة صاحبة الأرض تقف في المنتصف بلا قدرة على الردّ ولا رفاهية الصمت. السؤال المطروح هو: أين موقع سوريا من كل هذا، وهل ما زالت دمشق تملك سياسةً خاصة بها؟

ما تمارسه حكومة الشرع اليوم ينتمي، في بنيته لا في مضمونه، إلى تقليدٍ سوري قديم في إدارة العلاقات الخارجية، قوامه الوقوف على مسافةٍ محسوبة من الجميع وتحويل الغموض إلى رأس مال وتأجيل الحسم. وهذا أسلوب ارتبط في الذاكرة السياسية بحافظ الأسد، الذي كان يقول للجميع "تمام" ثم يحتفظ بقراره لنفسه. وقد نجح هذا التقليد في لحظاتٍ بعينها، فدمشق حافظت على تحالفها مع طهران منذ 1980 من دون أن تخرج من الصف العربي، وشاركت في التحالف الدولي لتحرير الكويت في 1991، وذهبت إلى مؤتمر مدريد، وأدارت مفاوضاتٍ مع إسرائيل حتى لقاءات شبردز تاون مطلع 2000 قبل أن تنهار على مسألة أمتارٍ قليلة من شاطئ بحيرة طبرية.

 

قوات تركية في منطقة كفر جنة عند أطراف بلدة عفرين السورية، في 18 أكتوبر 2022. (أ ف ب)
قوات تركية في منطقة كفر جنة عند أطراف بلدة عفرين السورية، في 18 أكتوبر 2022. (أ ف ب)

 

اليوم، تتكرر اللغة نفسها بمفردات مختلفة. تفاوضٌ مع إسرائيل "لم يصل إلى طريق مسدود"، لكنه يتقدّم بصعوبة. تعاون عسكري مع تركيا يُقدَّم تارةً بوصفه تدريباً واستشارة وتارةً بوصفه شراكة دفاعية. انفتاح على واشنطن، وطمأنة للخليج، ورسائل تهدئة إلى موسكو. الجميع يسمعون ما يريدون سماعه، ولا أحد يسمع قراراً.

إن المشكلة في الشروط لا في المبدأ. فالتوازن كان ممكناً حين كانت دمشق تملك جيشاً وأوراقاً إقليمية وعمقاً دولياً يحميها من تكلفة المماطلة. أما التوازن من دون أوراق فيتحول إلى انتظار، والانتظار إلى أمرٍ واقع يصنعه الآخرون.

تركياً، تبدو المقاربة اندماجية الطابع. أنقرة تريد ترابطاً في البنى نفسها، اقتصادياً عبر إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية والتبادل التجاري، وعسكرياً عبر تدريب الجيش السوري الجديد وتسليحه وحضورٍ في قواعد جوية تحت عنوان التدريب والاستشارة، وسياسياً عبر بقاء القرار السوري قريباً من حساباتها. ولهذه المقاربة دوافع دفاعية معلنة، من الملف الكردي الممتد منذ 1984 إلى ملايين اللاجئين الذين استضافتهم تركيا خلال سنوات الحرب. ومن زاوية دمشق، ثمة مكاسب حقيقية في هذه العلاقة، غير أن المكسب يصير مشكلة حين يصبح المصدر واحداً، لأن الاعتماد الأحادي بطبيعته يضيّق هامش القرار.

في الجانب الآخر، تقوم المقاربة الإسرائيلية على ضبط البيئة لا على الاندماج. الصيغة المفضّلة إسرائيلياً هي دولة ضعيفة القدرات العسكرية، منزوعة السلاح في جنوبها، عاجزة عن التهديد، وقادرة في الوقت نفسه على ضبط حدودها. ولهذه المقاربة دوافعها المعلنة أيضاً، فصدمة 7 أكتوبر 2023 دفعت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى رفض أي تراكم قدرات قرب حدودها، وسقوط النظام السابق في دمشق أنهى عملياً ترتيبات فض الاشتباك المعمول بها منذ 1974. لذلك، تتمسك تل أبيب بأربعة ثوابت: بقاء الجولان المحتل منذ 1967 تحت سيادتها، ونزع سلاح الجنوب، والتماس مع البيئة الدرزية في السويداء، ومنطقة أمنية تديرها بصورة غير مباشرة، وما يُطرح اليوم ليس سلاماً بالمعنى السياسي، إنما هو ترتيب أمني.

أنقرة لا تعارض التقارب السوري - الإسرائيلي من موقع أخلاقي، فعلاقاتها بتل أبيب قائمة منذ 1949، بل من موقع مصلحة. فأي تفاهم من هذا النوع يفتح احتمال ممرٍّ برّي وتجاري يربط إسرائيل والخليج بالبحر المتوسط وأوروبا عبر الأراضي والموانئ السورية، فتتحول سوريا من ساحة نفوذ إلى بوابة عبور، ويصبح موقع أنقرة كعقدة إجبارية في طريق إعادة الإعمار قابلاً للاستبدال، والرهان يقارب 216 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي لتكلفة إعادة الإعمار. ويضاف إلى ذلك بعد رمزي، إذ ترى أنقرة في أي ترتيب إقليمي جديد ترعاه واشنطن تآكلاً لموقعها كطرف يمثّل جمهوراً سنّياً واسعاً. وهذا توصيف لمصلحة تدافع عنها أي دولة في موقعها، تماماً كما تدافع إسرائيل عن مصلحتها حين تعترض على تعزيز القدرات العسكرية السورية.

سورياً، القبول بالصيغة المطروحة اليوم ينطوي على تكلفة داخلية ثقيلة. فحكومة الشرع ليست كتلة واحدة، إذ يشكّل التيار الديني جزءاً من شرعيتها ولا يستطيع تسويق التطبيع لقاعدته، ويرفض التيار المرتبط بأنقرة أي قرار يبعد سوريا عن الفلك التركي، وثمة شارع دفع ثمن 14 عاماً من الحرب ولم يستشر بعد. والتاريخ القريب يقدّم درسين، فاتفاق 17 أيار 1983 بين لبنان وإسرائيل ألغاه لبنان نفسه بعد أقل من عام لأن التوازن الداخلي لم يتحمله، ومصر استعادت سيناء كاملة بمعاهدة 1979 لكنها دفعت الثمن بتعليق عضويتها في جامعة الدول العربية حتى 1989 وباغتيال الرئيس أنور السادات في 1981.

لكن الرفض ليس خياراً بلا فاتورة. فالدعم الدولي الذي حصلت عليه دمشق بعد سقوط النظام السابق مشروط وقابل للمراجعة؛ إذ جاء إلغاء "قانون قيصر" في كانون الأول/ديسمبر 2025 ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني الأميركي، متضمناً اشتراط تقارير دورية كل 6 أشهر مدى 4 سنوات لتقييم أداء الحكومة السورية. والمستثمر يقرأ درجة المخاطر لا الخطابات، وأي إشارة إلى أن دمشق تسير عكس الاتجاه الإقليمي كفيلة رفع تكلفة التمويل وتأجيل مشاريع إعادة الإعمار وتجميد التعافي الاقتصادي، بما ينعكس على عودة اللاجئين وعلى الاستقرار الداخلي. كما يترك الرفض المطلق سوريا بلا سقفٍ ديبلوماسي يحدّ من الضربات، ويدفعها نحو الاعتماد على راعٍ وحيد.

هكذا، تجد حكومة الشرع نفسها أمام معادلة لا حلّ سهلاً فيها. فإن رفضت، بقيت عرضةً للضربات، ومهدّدةً بتراجع الدعم الدولي وتباطؤ الاستثمار، وأكثر ارتهاناً لطرف إقليمي واحد. وإن قبلت، فتحت جبهةً داخلية بين مكوّنات سلطتها نفسها من دون ضمانة تتعلق بالجولان. وليس أمامها خيار بين ربح وخسارة، بل بين تكلفتين، إحداهما تدفع في الخارج والأخرى في الداخل. والوقت الذي كان في السابق ورقة تفاوضية صار عاملاً يعمل ضدها، لأن كل شهر يمرّ يثبّت وقائع صنعها غيرها على الأرض.

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 8/21/2026 11:32:00 PM
أثارت طفلة مصرية تبلغ 11 عاماً غضباً واسعاً بعدما ألقت بنفسها من الطابق الرابع في الزقازيق، فيما أشارت التحريات الأولية إلى أنها فعلت ذلك خوفاً من والدها.
كتاب النهار 8/21/2026 11:15:00 AM
بات الناس يخافون بعضهم البعض، إذ بماذا يُمكن أن يُفسّر وجودُ كل هذا العتاد في منزل صاحب مولد لتوزيع الكهرباء إلا باستعداده للانقضاض على جيرانه والمقيمين في محيطه...
تركيا 8/20/2026 5:44:00 PM
نشاط زلزالي من الكاريبي إلى اليابان وشرق المتوسط يثير التساؤلات عن وجود رابط بين الهزات المتزامنة. الباحثة السورية في الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر تشرح حركة الصفائح ومناطق الخطر، وتطرح سيناريو لنقل الإجهاد في جنوب تركيا
لبنان 8/21/2026 10:04:00 PM
بعد تسجيل حالات تسمّم استدعت دخول عاملين في ورش تصليح السيارات إلى المستشفى وبعضهم إلى العناية الفائقة، حذّرت وزارة الصحة من استخدام البنزين والمذيبات الصناعية لتنظيف الجلد ومن استنشاق أبخرتها.