نعيم قاسم مستعيناً بمقالة غير موجودة كتبها إسرائيلي غير موجود!
ليس موشيه يائير حادثاً عابراً في تاريخ الحزب: إنه الابن الشرعي لمتعة صنع الوهم، ثم متعة استهلاكه، ثم متعة تصديقه.
استل الشيخ نعيم قاسم المفكر اليهودي موشيه يائير ليجلد به الدولة اللبنانية ووفدها المفاوض، فقرأ له كلاماً نشرته – على ذمته طبعاً - صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية بعد التوقيع على اتفاق الإطار، وفيه أن اللبنانيين "يساعدون إسرائيل بغبائهم على التخلص من المقاومة واحتلال بلدهم".
ما وجدنا أثراً لمقالة يائير في يديعوت أحرونوت، ولا أصلاً عبرياً يطابق في مواصفاته مع ما قرأه قاسم، بل وجدنا النص العربي نفسه منشوراً في موقع لبناني في 10 حزيران الفائت، أي قبل نحو 16 يوماً من توقيع اتفاق الإطار. أغلب الظنّ أن المفكر الإسرائيلي الذي استدعاه قاسم ليشهد على خيانة الدولة اللبنانية في مخدعها هو، بكل بساطة، منتج محلي.
في الأصل، ليس موشيه يائير حادثاً عابراً في تاريخ الحزب: إنه الابن الشرعي لمتعة صنع الوهم، ثم متعة استهلاكه، ثم متعة تصديقه. بدأ الأمر بشعارات تعبوية تحولت إلى "نظرية في حكم بلد": عين تقاوم المخرز؛ دم ينتصر على السيف؛ أوهن من بيت العنكبوت؛ نعرف إسرائيل أكثر مما تعرف نفسها؛ إذا اختلف اللبنانيون معنا، فهم لا يعرفون مصلحتهم. النظرية نفسها التي حوّلت انسحاب إسرائيل في 2000 من محطة وطنية إلى صك ملكية سياسية ديكارتية: "نحن أخرجنا إسرائيل، إذاً نحن المقاومة؛ نحن المقاومة، إذاً بيدنا قرار الحرب والسلم؛ بيدنا قرار الحرب والسلم، إذاً الدولة مجرد تفصيل". وبالنظربة نفسها، خرج الحزب من تموز 2006 معلناً "النصر الإلهي". ومنها، ما عاد ميزان الربح والخسارة ضرورياً: يكفي أن يبقى الحزب جاثماً على صدورنا ليكون منتصراً. وهكذا، تصبح المقتلة نصراً، وآلة الخراب صموداً، ويكون 8 أيار يوماً مجيداً.

"المشكلة دائماً في الآخرين، والحل دائماً في المزيد من المقاومة"... إنها عقيدة الحزب التي لم تهتز حين دخل السلاح إلى الداخل، وحين وُجّه إلى السوريين، وحين صار الحزب جزءاً من منظومة حكم أفقرت اللبنانيين. وصل تضخم القوة إلى أرقام تستحق بورصة خاصة: في 2021، أعلن الراحل حسن نصر الله أن بيمينه 100 ألف مقاتل، وبيساره 150 ألف صاروخ، متوعداً بمفاجآت لا يعرفها العدو، ومبشراً بمعادلات ستغيّر المنطقة. تورّم الوهم، فعاش خصوم الحزب أعواماً على الخوف من قوته، واعتاش حلفاؤه على استثمار الخوف من قوته، فيما الحزب يراقب انغلاق الدائرة: "اخترعنا القوة المطلقة، خافوا منها، خوفهم دليل إلى أن القوة المطلقة موجودة".
اليوم، المفارقة أشد فجاجة. الدولة اللبنانية، بكل ضعفها وأخطائها، تحاول أن تستعيد أرضاً وأن تعيد مئات آلاف الجنوبيين إلى بيوتهم وأن تنتزع انسحاباً إسرائيلياً بالسياسة والمفاوضات. ماذا يقدم الحزب في المقابل؟ عنتريات وتخويناً... يعرف قاسم أن اللبنانيين لا يصدقونه، لذا، حين احتاج إلى حجة لإدانة الدولة، لم يجد أمامه إلا تلفيقاً إسرائيلياً. انكشف يائير، فحضرت آخر طبقات الوهم: جيوش الحسابات الإلكترونية مستعدة لتبرير أي شيء. ولو ظهر غداً "البروفيسور شلومو نتنياهوفيتش" في "معاريف" مثلاً، وكتب أن تسليم سلاح "حزب الله" سيؤدي إلى ظهور زحل في عزّ الظهر، فستجد من يؤكد أن شهد شاهد من أهله/ فهذا الرجل خبير استراتيجي بارز، يخشاه الموساد!
شكراً موشيه يائير، فقد اختزلت في اسمك قصة حزب أمضى عقوداً يقول لنا "لا تصدقوا ما ترونه، بل صدقوا ما نقوله لكم"، فانتهى الأمر بأمينه العام إلى الاستعانة بك... إنها المقاومة في حقبتها السريالية.
نبض