بين حقيبتَين… عام دراسي في قبضة الحرب
في تلك الليلة الرمضانية، غادرنا النبطية على عجل هرباً من الحرب. وما إن وصلنا إلى صيدا حتى تذكّرت ابنتي كارين (7 سنوات) أننا نسينا الحقائب المدرسية. انفجرت بالبكاء وهي تستعيد مرارة الحرب الماضية، يوم لم تدرس بكتبها للسبب نفسه.
للوهلة الأولى، لم أستوعب كيف استطاعت طفلة أن تفكر في مدرستها وسط كل هذا الخوف. أما شقيقها كريم (12 سنة)، فحاول مواساتها بطريقته قائلاً: "المهم يضلّوا رفقاتنا عايشين وتبقى المدرسة، وما تتهدّم متل هيديك الحرب".
عندها تذكّرت أن جدّهما، الأستاذ عياد، لم يكن قد غادر النبطية بعد. اتصلت به وطلبت منه أن يخاطر ويعود لإحضار الحقائب. فعلها، ووصلت إلينا كأنها حملت معها جزءاً من الأمان الذي تمسّك به الطفلان.
استقررنا في منزلنا البيروتي في طريق الجديدة. كانت كارين، كل صباح، تخرج كتبها من الحقيبة وتنشرها على الطاولة كما اعتادت قبل الذهاب إلى مدرسة الراهبات الأنطونيات في النبطية، ثم تعيدها إلى مكانها وتسألني: "متى نرجع إلى المدرسة؟ اشتقت إلى الراهبة الأخت شادية".
أما كريم، فلم يكن يشغله الدرس بقدر ما كان يشغله مصير مدرسته وأصدقائه.
بعد أسابيع، بدأت الدراسة عن بُعد يومين في الأسبوع. قسمت زوجتي مروة وقتها بين الطفلين وعملها معالجة نفسية. كانت كارين تحاول التأقلم مع تجربة التعليم الإلكتروني بصعوبة، فيما كان كريم يستغل كل حصة ليسأل المعلمات والمعلمين عن منازلهم، وأحيائهم، وأخبار النبطية.
بالنسبة إليه، لم تكن الحصة الدراسية مجرد درس، بل نافذة يطمئن من خلالها إلى عالمه الذي تركه خلفه. أما والدته، فكانت تحاول إعادته إلى التركيز، فيما كان هو يبحث عن إجابات لأسئلة أكبر من سنّه.
أكثر براءة
في الجهة الأخرى، كانت كارين أكثر براءة. لم تفهم لماذا غادرنا منزلنا بهذه السرعة، وكانت تتصل برفيقاتها يومياً لتسمع منهن أخبار الحرب. وعندما خسرت رفيقتها ميليا منزلها في ميفدون، حملت إليّ الصور وقالت: "هون كانت ذكرياتي معها… وين رح تعيش هلق؟ وهل ممكن بيتنا كمان يتهدّم؟" عندها أدركت أن الحرب لا تهدم البيوت فقط، بل تهدم شعور الأطفال بالأمان.
وسط هذا الواقع، قررت تسجيل الولدين في بيروت للعام الدراسي التالي، في مدرستي القديمة ثانوية الضحى. اصطحبتهما لزيارة المدرسة، وكانت لحظة مؤثرة. بكت كارين رافضة أن تترك "الراهبات"، بينما طرح كريم سؤالاً واحداً: "إذا جيت لهون… رح يجوا رفقاتي معي؟"
استوعبت صديقة طفولتي المديرة نسرين شمس الدين ما يشعران به، وأخذتنا في جولة داخل المدرسة، لكن جوابهما كان واحداً: "بدنا ياها تكون الخيار الأخير".
اليوم، أسجلهما مجدداً في الراهبات الأنطونيات في النبطية، جنوب لبنان، وأحتفظ في الوقت نفسه بخطة بديلة في "الضحى". فهما لم يعودا بعد إلى مدينتهما، وما زالت النبطية بالنسبة إليهما مكاناً ينتظران الرجوع إليه.
هذه الحرب لم تسرق من أولادنا عاماً دراسياً فحسب، بل سرقت أمراً كان يبدو بديهياً: أن يذهب الطفل إلى مدرسته مطمئناً، وأن يعود في نهاية النهار ليجد منزله ما زال في مكانه.
نبض