عدوى حماس!

مقالات 04-08-2026 | 06:26

عدوى حماس!

آن الأوان لفك ارتباط لبنان بالقضايا التي تميته ولا تحييها، وتستنزفه من دون أن تقرّب أصحابها من النصر.
عدوى حماس!
صورة أرشيفية لمسلّحين من حماس ينتشرون في غزة (أ.ف.ب)
Smaller Bigger

إذا مضت "حماس" فعلاً في تسليم سلاحها كاملاً للسلطة الفلسطينية، فسيكون ذلك أصوب قرار اتخذته منذ تأسيسها. غير أن الصواب المتأخر لا يعفي الحركة من مراجعة شاملة لمسار انتهى بإبادة مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتقويض ما تبقى من فرص واقعية لإقامة دولة فلسطينية.

احتاجت "حماس" إلى كل هذا الدم لتقتنع بأن هجوم 7 أكتوبر لم يفتح طريقاً إلى تحرير فلسطين، بل منح بنيامين نتنياهو الذريعة والفرصة لإطلاق أكثر الحروب تدميراً في تاريخ الصراع، ولإعادة القضية الفلسطينية عقوداً إلى الوراء. فبدلاً من أن يُقرب الفلسطينيين من دولتهم، أطاح ما بقي من مقوماتها الجغرافية والسياسية، وحوّل غزة إلى أرض منكوبة، وأضعف الضفة الغربية، وأعاد إسرائيل إلى موقع المعتدى عليه في نظر جزء واسع من العالم، بعدما كانت سياساتها الاستيطانية تضعها في عزلة متزايدة.

يحاول محمود عباس اليوم تجنيب الضفة الغربية مصير غزة، مستنداً إلى درس فلسطيني قديم ومرير. فقد أدرك ياسر عرفات، منذ لحظة صعوده إلى السفينة التي أقلّته من بيروت إلى تونس عام 1982، أن الفلسطينيين لن يستعيدوا أرضهم بانتظار الجيوش العربية أو الصحوة الإسلامية الكبرى. لا العرب كانوا مستعدين لخوض حرب تحرير شاملة، ولا المسلمون، عرباً وعجماً، كانوا ينوون تحويل فلسطين من شعار عاطفي إلى مشروع عسكري فعلي يدفعون كلفته.

ومن هنا، فإن ما يعنينا نحن اللبنانيين في قرار «حماس» ليس مصير سلاحها وحده، بل سقوط نظرية كاملة بُنيت عليها حروب المنطقة: نظرية «عضّ الأصابع»، التي توهمت الحركة، ومعها «حزب الله»، أنها قادرة من خلالها على إيلام إسرائيل إلى أن تصرخ أولاً. لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً. لم يكتفِ نتنياهو بعضّ أصابع خصومه، بل التهم الكف والمعصم والساعد، وواصل حربه حتى الكتف، مستفيداً من تفوق عسكري غير متكافئ، ومن غطاء غربي واسع، ومن خصوم دخلوا المواجهة بشعارات أكبر كثيراً من قدراتهم وحساباتهم.

أما كيف يمكن التهام الكتف، فذلك سؤال يُترك لنتنياهو نفسه، وقد أثبت أنه يجيد جرّ المنطقة بأسرها إلى حروب مفتوحة، ويعرف كيف يستدرج الولايات المتحدة إلى صراعات تتشابك فيها غزة ولبنان وإيران، حتى كادت إمبراطورية دونالد ترامب نفسها تغرق في وحول فارس.

 

طفل فلسطيني يلعب بين أنقاض مبنى مدمّر في مخيم جباليا شمال قطاع غزة في 2 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يلعب بين أنقاض مبنى مدمّر في مخيم جباليا شمال قطاع غزة في 2 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

 

إن تسليم «حماس» سلاحها لا ينبغي أن يكون مجرد ترتيب أمني، بل بداية لمراجعة فكرية وسياسية عميقة لشعار «الجهاد أو الاستشهاد» في سبيل فلسطين، بعدما لم يأتِ هذا المسار على الفلسطينيين إلا بالموت والنزوح وتدمير المدن. فالاستشهاد ليس استراتيجية لبناء الدول، ولا يمكن لشعب أن يتحرر إذا تحولت حياته كلها إلى وقود دائم لمعارك لا أفق سياسياً لها.

وإذا كان أهل القضية أنفسهم قد قرروا أن يستبدلوا بالمقاومة المسلحة طريقاً سياسياً مختلفاً، أفلا يصبح من العبث أن يواصل الآخرون القتال باسمهم؟ وهل يُطلب من اللبناني أن يكون أشد تمسكاً بالحرب من الفلسطيني نفسه، وأشد ملكية من الملك؟ قطعاً لا.

لقد فشلت «وحدة الساحات» في الحرب. لم تحمِ غزة، ولم تردع إسرائيل، ولم تمنع اغتيال القادة، ولم تحفظ مدن الجنوب اللبناني وقراه، ولم تغيّر موازين القوى. وربما يكون الأجدى أن تنجح هذه الوحدة، للمرة الأولى، في السلام؛ أي أن تنتقل عدوى نزع السلاح والمراجعة السياسية من غزة إلى لبنان، وأن يدرك «حزب الله» أن الزمن الذي كان يستطيع فيه تقديم سلاحه بوصفه جزءاً من معركة تحرير فلسطين قد انتهى.

نلاحظ أن الحزب بدأ يتراجع في خطابه من شعار «نصرة فلسطين» إلى القول إنه يدافع عن لبنان في وجه العدوان الإسرائيلي. لكن هذا التبدل اللفظي لا يحل المشكلة. فالحزب لم يتصرف، في قراراته الكبرى، بوصفه تنظيماً لبنانياً خاضعاً لإرادة الدولة ومؤسساتها، بل بوصفه جزءاً من منظومة إقليمية تقرر الحرب والسلم وفق حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية. ولا جدوى بعد اليوم من التقية السياسية أو المواربة اللغوية، إذ يعرف اللبنانيون أن قرار فتح الجبهة لم يصدر عن الدولة، وأن كلفته لم تقع على من اتخذه وحده، بل على لبنان كله، وعلى الجنوبيين خصوصاً، الذين دفعوا أثماناً باهظة من بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.

كما أن ادعاء الدفاع عن لبنان لا يستقيم إذا كان السلاح نفسه يعرّض لبنان باستمرار للحرب، ويمنح إسرائيل حجة لتدمير قراه وتهجير سكانه، ويمنع الدولة من ممارسة سيادتها الكاملة. الدفاع الحقيقي لا يكون بتحويل البلاد إلى ساحة رسائل إيرانية، ولا بإدخال اللبنانيين في معركة لا يقررون بدايتها ولا يملكون إنهاءها.

لا يعني ذلك التخلي عن الحق الفلسطيني، ولا إنكار المظلمة التاريخية التي وقعت على الشعب الفلسطيني. سيبقى لهذا الشعب، في وجداننا، حق ثابت في دولة مستقلة، وسيبقى التمسك بالمبادرة العربية وحل الدولتين موقفاً أخلاقياً وسياسياً ضرورياً. لكن التضامن مع الفلسطينيين شيء، وتدمير لبنان باسم فلسطين شيء آخر تماماً.

لقد آن الأوان لفك ارتباط لبنان بالقضايا التي تميته ولا تحييها، وتستنزفه من دون أن تقرّب أصحابها من النصر. فالتورط في حروب لا نتقن فيها إلا رفع الشعارات لم يحرر أرضاً، ولم يحمِ شعباً، ولم يبنِ دولة. وما نحتاج إليه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو تغليب العقل على المزايدات، وإنقاذ ما تبقى من الأرض والسيادة والمؤسسات، بعيداً عن نغمة التخوين التي تُستخدم كلما طالب أحدٌ بالحساب والمراجعة.

وهذا تحديداً ما ينبغي أن يُطلب من «حزب الله»: أن يتحمل مسؤوليته عما جرى له، ولبيئته، وللجنوب، وللبنان كله؛ وأن يعترف بأن المشروع الذي خاض باسمه حروبه قد وصل إلى طريق مسدود. فإذا كانت «حماس» قد بدأت رحلة العودة من السلاح إلى السياسة، فإن أول واجبات الحزب أن يقرأ الرسالة، قبل أن تُدفع كلفة جديدة لا يبقى بعدها في لبنان ما يمكن إنقاذه.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/3/2026 6:35:00 PM
علقت العائلة يافطات في العاصمة عمان تعلن فيها براءتها منه والمطالبة بإعدامه.
اقتصاد وأعمال 8/3/2026 2:25:00 PM
تقدّر الكلفة السنوية للعطاءات بما لا يقل عن 800 مليون دولار، منها نحو 200 مليون مخصصة للمنح المدرسية والتعويض العائلي، و600 مليون لتغطية كلفة الرواتب والأجور الناتجة من الرواتب الستة الإضافية.
مجتمع 8/2/2026 12:38:00 PM
حذّرت المصلحة من التعرّض المباشر لأشعة الشمس ومن اندلاع الحرائق في المناطق الحرجية.