الجيش المصري ما بعد السلام: إعادة تعريف الأمن القومي
تقدم التجربة المصرية نموذجاً لكيفية مواءمة دور المؤسسة العسكرية مع المتغيرات الاستراتيجية، من خلال الحفاظ على قوة ردع فعالة، وتطوير أدوات القوة الشاملة.
لم يؤد توقيع اتفاقية السلام عام 1979 إلى تقليص الحاجة إلى قوة عسكرية قادرة، إذ إن استبعاد الحرب بوصفها الاحتمال الأكثر ترجيحاً لا يعني استبعادها بوصفها احتمالاً استراتيجياً، فالردع يظل قائماً على امتلاك القدرة العسكرية التي تمنع الخصم من التفكير في استخدام القوة. ومن هذا المنطلق، ارتبطت مرحلة ما بعد السلام بإعادة تعريف دور القوات المسلحة المصرية في ضوء التحولات التي شهدتها البيئة الأمنية الإقليمية والدولية.
ولا تقتصر قوة الجيش المصري على قدراته العسكرية، بل تستند أيضاً إلى طبيعته الوطنية الفريدة، فهو ليس جيشاً فئوياً أو طائفياً أو طبقياً، ولا يعبر عن حزب أو جماعة، وإنما يتشكل من أبناء المجتمع المصري بمختلف فئاته وأقاليمه، بما يجعله تجسيداً لوحدة الدولة وتماسكها. وأكسبته هذه الطبيعة رصيداً كبيراً من الثقة والاحترام لدى المصريين، باعتباره مؤسسة وطنية تعبر عن المجتمع كله، وهو ما يمثّل أحد عناصر القوة الشاملة للدولة، إلى جانب ما يمتلكه من إمكانات قتالية وتكنولوجية.
وخلال العقود الأربعة الماضية، لم تعد التهديدات تقتصر على احتمال المواجهة بين الجيوش النظامية، بل امتدت إلى الإرهاب العابر للحدود، والميليشيات المسلحة، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، والهجمات على البنية التحتية، فضلاً عن تصاعد المنافسة على الممرات البحرية وموارد الطاقة. ونتيجة لذلك، اتسع مفهوم الأمن القومي من حماية الحدود إلى حماية المجال الاستراتيجي للدولة، بما يشمله من مصالح سياسية واقتصادية وبحرية. وانعكس هذا التحول على العقيدة العسكرية المصرية، التي انتقلت من التركيز على الدفاع الإقليمي إلى مفهوم أكثر شمولاً للأمن، يقوم على بناء قدرة ردع متعددة المستويات، قادرة على التعامل مع التهديدات التقليدية وغير التقليدية في آن واحد. ثم إن تحديث القوات المسلحة خلال العقود الأخيرة يمكن تفسيره باعتباره استجابة لتحولات البيئة الأمنية، أكثر من كونه استجابة لمنطق سباقات التسلح، إذ ارتبط هذا التحديث بتنويع مصادر التسليح، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع، وتعزيز القدرات البحرية والجوية، بما يدعم المرونة الاستراتيجية للدولة، ويوفر قدراً أكبر من الاستقلالية في إدارة الأزمات.
وفي الوقت نفسه، تغير مفهوم الردع ذاته، فلم يعد يقاس فقط بالقدرة على كسب حرب شاملة، وإنما بالقدرة على منع نشوء التهديدات أو احتوائها قبل تحولها إلى صراع مفتوح. ولذلك، أصبحت مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، وحماية الممرات البحرية، وتأمين مصادر الطاقة، مكونات أساسية في معادلة الردع، إلى جانب الحفاظ على الجاهزية القتالية التقليدية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي لمصر، الواقعة عند تقاطع دوائر أمنية تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر، ومن شمال أفريقيا إلى المشرق العربي؛ وفي مثل هذه البيئة، لم يعد الأمن القومي يقاس فقط بسلامة الحدود، وإنما بقدرة الدولة على إدارة محيطها الاستراتيجي، ومنع انتقال الأزمات الإقليمية إلى الداخل. ومن هنا، أصبحت حماية المجالين البحري والجوي، وتأمين خطوط التجارة الدولية وموارد الطاقة، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي.
كما كشفت التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ عام 2011 عن أهمية الحفاظ على مؤسسة عسكرية وطنية متماسكة. فقد أظهرت تجارب إقليمية أن إضعاف الجيوش النظامية كان مدخلاً إلى تآكل مؤسسات الدولة وصعود الفاعلين المسلحين من غير الدول. في المقابل، أسهم الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة المصرية وتماسكها في تعزيز قدرة الدولة على احتواء تداعيات بيئة إقليمية اتسمت بارتفاع مستويات عدم اليقين، كما مثلت العمليات العسكرية في سيناء نموذجاً للتعامل مع التهديدات الإرهابية من خلال منع تحول الفراغات الأمنية إلى قواعد انطلاق لتنظيمات مسلّحة تهدّد الأمن الوطني.
وتشير هذه التحولات إلى أن مرحلة ما بعد السلام لم تكن مرحلة انحسار لدور القوات المسلحة، وإنما مرحلة إعادة تموضع استراتيجي لوظيفتها، إذ انتقلت من التركيز على إدارة الحرب التقليدية إلى إدارة بيئة أمنية مركبة، تتداخل فيها التهديدات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، ويتوسع فيها مفهوم الأمن القومي ليشمل حماية الدولة ومصالحها الحيوية. وفي هذا السياق، تقدم التجربة المصرية نموذجاً لكيفية مواءمة دور المؤسسة العسكرية مع المتغيرات الاستراتيجية، من خلال الحفاظ على قوة ردع فعالة، وتطوير أدوات القوة الشاملة، والتكيف المستمر مع بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التعقيد وعدم اليقين، بما يجعل السلام نتيجة لتوازن القوة، وليس بديلاً عنها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
إذا سلّم "حزب الله" سلاحه للدولة من خلال تفاهم داخلي، فإن ذلك لا ينتقص من وزن الشيعة، وهو يدرك أن السلاح من دون استقرار للناس في أرضهم لا قيمة له
نبض