الحكومة تنفّذ قانون الاتصالات بعد 24 عاماً... كأنه صدر بالأمس!
المرسوم كان يُفترض أن يصدر قبل 24 عاماً، على أن تسبقه مراسيم وإجراءات أخرى ذات صفة إلزامية، خلال مهلة تنتهي في 23 تشرين الأول 2002، أي بعد ثلاثة أشهر من صدور قانون الاتصالات رقم 431.
جبران الخوري*
أثار قرار مجلس الوزراء أخيراً الموافقة على مشروع مرسوم تنظيم وزارة الاتصالات جدلاً واسعاً في أوساط المختصين، لأسباب عدة.
فالمرسوم كان يُفترض أن يصدر قبل 24 عاماً، على أن تسبقه مراسيم وإجراءات أخرى ذات صفة إلزامية، خلال مهلة تنتهي في 23 تشرين الأول 2002، أي بعد ثلاثة أشهر من صدور قانون الاتصالات رقم 431.
ويضاف إلى ذلك أن موافقة الحكومة جاءت، بحسب منتقدين، مخالفةً لقانون الاتصالات نفسه، إذ تنص المادة الخامسة منه على أن تتولى الهيئة الناظمة للاتصالات إعداد مشروع هذا المرسوم، على أن يرفعه وزير الاتصالات إلى مجلس الوزراء، إلا أن دور الهيئة وصلاحياتها جرى تجاهلهما بالكامل.
كما أن قرار الحكومة أدخل القطاع، من الناحية القانونية، في المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في المادة 49 من القانون. فهل حصل ذلك عن إدراك كامل لتداعيات القرار، أم نتيجة التسرع في إقراره، بعدما عُرض على مجلس الوزراء بأقل من 48 ساعة بكل ما يتضمنه من تشعبات قانونية وإدارية؟
وقد تفتح هذه المخالفات، وغيرها، الباب أمام طعون من جهات متضررة، وهي كثيرة.

قانون يعود إلى زمن الخصخصة... والعالم تغيّر
شهد العالم، منذ صدور قانون الاتصالات اللبناني، تحولاً جذرياً في النظرة إلى قطاع الاتصالات. فبعد موجة الخصخصة الواسعة التي سادت خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة، وعُدّ القانون اللبناني انعكاساً لها، عادت الدول المتقدمة تدريجياً إلى تعزيز دورها في هذا القطاع، أو إلى الاحتفاظ بأدوات قانونية وسيادية تمكّنها من التحكم بمصيره.
ولم تعد شبكات الاتصالات تُعامل في معظم هذه الدول باعتبارها مجرد نشاط تجاري يخضع لقواعد السوق، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي والسيادة الرقمية واستمرارية عمل الدولة والاقتصاد.
لذلك، احتفظت دول مثل سويسرا والنروج وألمانيا وفرنسا بأشكال مختلفة من السيطرة أو النفوذ العام على القطاع، سواء عبر حصص استراتيجية أو حقوق تصويت خاصة أو ضوابط قانونية تحكم ملكية المشغل الرئيسي وإدارته.
وحتى الولايات المتحدة، التي تقوم فلسفتها الاقتصادية على الملكية الخاصة وجذب الاستثمار الخارجي، تحتفظ بصلاحيات واسعة تمنع أو تلغي أي استحواذ أجنبي على أصول الاتصالات متى رأت أنه يمس الأمن القومي.
أما في إيطاليا، فرغم امتلاك الحكومة "الحصة الذهبية" في شركة Telecom Italia، فقد أثارت إعادة هيكلة الشركة ودخول صناديق استثمار أجنبية إلى ملكيتها نقاشاً واسعاً حول حدود الخصخصة في القطاعات الحيوية، ومدى قدرة الدولة على حماية مصالحها الاستراتيجية عندما تصبح البنية التحتية الرقمية خاضعة لاعتبارات المستثمرين الماليين.

لبنان يسير في الاتجاه المعاكس
في المقابل، يقف لبنان أمام واقع قانوني مختلف تماماً. فالقانون رقم 431/2002 يجيز، بموجب المادتين 44 و46، خصخصة شركة "ليبان تيليكوم" وبيع كامل أسهمها، من دون إلزام الدولة بالاحتفاظ بأي حصة ملكية أو حقوق تصويت خاصة، أو أي أدوات سيادية تضمن استمرار نفوذها في القرارات الاستراتيجية.
ولم يكتف القانون بذلك، بل أسقط أيضاً القيود المتعلقة بجنسية المساهمين ورأس المال المنصوص عليها في قانون التجارة.
إذ ينص على أنه، بعد الخصخصة الجزئية أو الكلية لشركة "اتصالات لبنان"، يُنتخب أعضاء مجلس الإدارة من الجمعية العمومية من دون التقيد بشرط الجنسية الوارد في المادة 144 من قانون التجارة، كما استثنى الشركة من أحكام المادة 78 المتعلقة بإلزامية امتلاك اللبنانيين جزءاً من رأسمالها.

هل تصبح الشبكة الوطنية في عهدة شركة أجنبية؟
عند صدور قانون الاتصالات عام 2002، كانت المادة 144 من قانون التجارة تشترط أن تكون أكثرية أعضاء مجلس الإدارة من اللبنانيين، قبل أن تُعدّل عام 2019 ليصبح الشرط مقتصراً على ثلث الأعضاء.
إلا أن قانون الاتصالات استثنى شركة "اتصالات لبنان" من هذا القيد بعد الخصخصة، ما يعني، قانوناً، إمكان أن يكون جميع أعضاء مجلس إدارتها من غير اللبنانيين، وألا يملك أي لبناني أي حصة في رأسمالها.
ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن إسناد إدارة وتشغيل البوابات الدولية والسنترالات المحلية والدولية وشبكات الألياف البصرية وسائر مرافق الاتصالات الاستراتيجية إلى شركة أجنبية بالكامل لا يضم مجلس إدارتها أي عضو لبناني؟
مفارقة "ستارلينك"
تزداد أهمية هذا التساؤل في ضوء النقاش الدائر حول شركة "ستارلينك"، إذ يفرض عليها القانون اللبناني إنشاء شركة محلية تحمل اسم "ستارلينك لبنان"، كما يشترط موافقة الأجهزة الأمنية على آليات الوصول إلى البيانات، علماً أن حجم حركة الاتصالات والإنترنت المتوقع أن تستحوذ عليه يبقى محدوداً مقارنة بالشبكة الوطنية التابعة للدولة.
فهل الحكومة والأجهزة الأمنية على اطلاع على هذه الأحكام الواردة في قانون الاتصالات؟ وهل تدرك أن موافقتها على القرار رقم 6 الصادر في 9 تموز الجاري أدخلت القطاع في المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في المادة 49، وهي مرحلة تقود حكماً إلى الخصخصة وما يرافقها من تداعيات على إدارة القطاع وبنيته التحتية؟
الخصخصة لم تعد احتمالاً بعيداً
الخصخصة الكاملة لم تعد مسألة مؤجلة، إذ إن مهلة السنتين التي حظر خلالها القانون بيع أكثر من 40% من أسهم "ليبان تيليكوم" للشريك الاستراتيجي انقضت عملياً منذ تأسيس الشركة، ما يزيل هذا القيد القانوني ويفتح الباب أمام الخصخصة الكاملة.
كان الأجدى بالحكومة أن تبادر إلى إرسال مشروع قانون يعيد النظر في الأحكام الأساسية لقانون الاتصالات، التي وُضعت قبل أكثر من 24 عاماً، بدلاً من الموافقة اليوم على تنفيذها وكأن القانون صدر بالأمس، متجاهلةً التحولات العميقة التي شهدها قطاع الاتصالات خلال ربع قرن.
لذلك، فإن أي خطوة تنفيذية تستند إلى القانون الحالي تبقى في غير محلها قبل إجراء مراجعة تشريعية شاملة.
فالمدخل الطبيعي لأي إصلاح، أو إعادة هيكلة، أو إشراك للقطاع الخاص، يجب أن يبدأ بتعديل القانون رقم 431/2002، بما يكرّس بوضوح الطبيعة الاستراتيجية لقطاع الاتصالات، ويضمن احتفاظ الدولة بدور مؤثر في ملكية الأصول الأساسية وإدارتها، ويضع ضوابط واضحة على انتقال السيطرة الجزئية أو الكلية إلى مستثمرين أجانب، بما يحقق التوازن بين جذب الاستثمارات وحماية الأمن القومي والسيادة الرقمية.
تشريع يواكب العصر
ولا تقتصر الحاجة إلى تعديل قانون الاتصالات على ملف الخصخصة، بل تشمل أيضاً قضايا لم تكن مطروحة عند صدوره عام 2002، وفي مقدمها السيادة الرقمية، والأمن السيبراني، وحماية البيانات الشخصية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وشبكات الجيل الخامس وما بعدها، إلى جانب تحديث قواعد إدارة الطيف الترددي، والخدمة الشاملة، واستقلالية الهيئة الناظمة، وتنظيم المنصات والخدمات الرقمية الحديثة.
كما ينبغي أن يحظى تعديل الأحكام المتعلقة بالموظفين وحماية حقوقهم بأولوية خاصة، بما يضمن أن تأتي أي عملية إصلاح متوازنة، وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق العاملين في القطاع.
*خبير في إدارة الاتصالات
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
نبض