عندما يصبح قطاع الاتصالات وموظفوه رهينة قرارات تتجاوز القانون
د. عبد المنعم يوسف
رئيس مجلس الإدارة المدير العام السابق لهيئة أوجيرو (2005–2017).
في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا تُدار المرافق العامة بقرارات مرتجلة، ولا يُعاد رسم مستقبل قطاع سيادي بقرار إداري يفتقر إلى الأساس القانوني، بل تُبنى الإصلاحات على القوانين، وتُنفَّذ وفق مراحل انتقالية واضحة، وتُصان خلالها حقوق المواطنين والعاملين واستمرارية الخدمات.
أما في لبنان، فيبدو أن البعض لا يزال يعتقد أن قراراً واحداً قادر على تجاوز قانون نافذ صادر عن مجلس النواب، وأن بإمكان السلطة التنفيذية أن تختصر سنوات من التشريع والتنظيم والضمانات القانونية بجلسة واحدة لمجلس الوزراء.
قرار مجلس الوزراء رقم (6) تاريخ 9 تموز 2026، القاضي بالموافقة على مشروع مرسوم يرمي إلى إعادة تنظيم وزارة الاتصالات، وإلغاء المديريات العامة القائمة، وإعادة توزيع اختصاصاتها، لا يشكل مجرد إجراء إداري عادي، بل يطرح أسئلة دستورية وقانونية وإدارية عميقة تستوجب التوقف عندها، لأنه يمس مباشرة مستقبل قطاع الاتصالات، أحد أهم المرافق العامة وأكثرها ارتباطاً بالأمن الوطني والاقتصاد الرقمي وحقوق المواطنين.

إن قانون الاتصالات رقم 431/2002 لم يأتِ عبثاً، بل وضع خارطة طريق متكاملة لإعادة تنظيم القطاع. فقد رسم مراحل واضحة لإنشاء شركة ليبان تيليكوم، ونقل الصلاحيات، وتقييم الأصول، وحماية العاملين، وضمان استمرارية المرفق العام، وإرساء دور الهيئة الناظمة، بما يحقق انتقالاً مؤسسياً متدرجاً ومدروساً.
لكن القرار رقم 6، بحسب ما تكشفه قراءة قانونية متأنية لوقائعه وظروف صدوره، يتجاوز هذه المراحل، متخطياً الضمانات التي فرضها القانون، وكأن النصوص التشريعية أصبحت مجرد توصيات يمكن تجاوزها متى شاءت السلطة التنفيذية. وهذه المؤشرات مجتمعة تجعل القرار، في تقدير عدد غير قليل من المتابعين، عرضة للطعن أمام القضاء الإداري المختص.

كيف دُرس ملف من 90 صفحة خلال يومين؟
وربما يكون أبلغ ما يختصر هذا القصور القانوني أمام الرأي العام سؤال بسيط: كتاب وزير الاتصالات المتضمن مشروع إعادة تنظيم الوزارة، ومرفقاته التي بلغت نحو 90 صفحة، صدر بتاريخ 7 تموز 2026، وبعد يومين فقط، في 9 تموز، اتخذ مجلس الوزراء قراره بالموافقة عليه.
فكيف يتسنى لثلاثين وزيراً أن يدرسوا ملفاً بهذا الحجم، ويناقشوه بجدية، ويبتّوا فيه خلال يومين فقط؟
كما نصت المادة 49 من قانون الاتصالات على تعويضات إضافية للعاملين عند إعادة الهيكلة، لكنها وضعت هذه التعويضات وفق واقع اقتصادي كان سائداً عام 2002، حين كان الدولار يساوي نحو 1500 ليرة. أما اليوم، وبعد أن قارب سعر صرف الدولار التسعين ألف ليرة، فإن إقفال المرحلة الانتقالية استناداً حرفياً إلى تلك الأرقام القديمة، من دون أي تحيين، يعني عملياً تفريغ حماية العاملين من مضمونها الفعلي، وتحويل حق مالي كان مقصوداً ليكون ضماناً حقيقياً إلى مبلغ لا يكاد يُذكر أمام الانهيار الذي عاشه اللبنانيون.
أين الدراسات وخطة الانتقال؟
والأخطر من ذلك أن القرار، وفق المعطيات المتوافرة حتى الآن، صدر من دون إبراز الدراسات القانونية والتنظيمية والإدارية والمالية اللازمة، ومن دون دراسة لاستمرارية الأعمال، أو لإدارة المخاطر، أو لخطة انتقال مؤسسية واضحة، أو لتقييم انعكاساته على الخدمات العامة، أو على الموظفين، أو على البنية التشغيلية للقطاع.
وأي إعادة تنظيم تُنفَّذ من دون خطة انتقالية واضحة تهدد باضطراب فعلي في التنسيق اليومي بين الجهات المسؤولة عن الشبكة الوطنية، في وقت لا يحتمل فيه هذا القطاع أي تعطيل، بالنظر إلى اعتماد المواطنين والمؤسسات الرسمية والقطاع الخاص عليه بصورة يومية ومتواصلة.
مخاطر على استمرارية المرفق العام
وتزداد المخاطر جسامة عند الحديث عن جهوزية الشبكة لمواجهة الأعطال والطوارئ، إذ إن أي اضطراب في المرجعيات الإدارية المسؤولة عن الصيانة والاستثمار قد يبطئ الاستجابة لحالات الطوارئ التي أثبتت التجربة اللبنانية الأخيرة أنها ليست افتراضية، بل واقعاً متكرراً. كما أن مصير مئات العاملين في هذا القطاع، وضماناتهم الوظيفية والمالية، لا يمكن أن يبقى معلقاً في حالة من الغموض، بعد أن أثبتوا عبر سنوات الأزمات المتلاحقة قدرتهم على إبقاء لبنان متصلاً بالعالم في أصعب الظروف.
وفي النهاية، فإن أي قطاع سيادي، كقطاع الاتصالات، إذا أُديرت إعادة هيكلته خارج الأطر القانونية الواضحة، يصبح عرضة لتراكم النزاعات والطعون، بما يبقي مستقبله معلقاً لأشهر أو سنوات، وهو ما يضر بالمواطن قبل أي طرف آخر.
سيادة القانون ليست خياراً إدارياً
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن مؤسسة أو إدارة أو أشخاص، بل بالدفاع عن مبدأ سيادة القانون. فحين يُتجاوز القانون مرة، يصبح تجاوز أي قانون أمراً عادياً، وحين تُدار المرافق العامة خارج الأطر التي رسمها المشترع، يفقد المواطن ثقته بالدولة نفسها. وما يصح اليوم في قطاع الاتصالات قد يتكرر غداً في الكهرباء أو المياه أو أي مرفق عام آخر، إذا تُركت هذه السابقة من دون مساءلة.
ولعل ما يزيد الأمر أهمية أن فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون جعل من قيام دولة القانون والمؤسسات محوراً أساسياً في خطاب القسم، مؤكداً أن استقلالية القضاء واحترام الدستور والقوانين هما الأساس الذي يضمن الحريات والحقوق، ويشجع الاستثمارات، ويكافح الفساد. كما جاء البيان الوزاري لحكومة دولة الرئيس نواف سلام، التي نالت على أساسه ثقة مجلس النواب، ليضع قيام دولة القانون في صدارة أولويات الحكومة، ويؤكد التزامها باستقلال القضاء الإداري والمالي والعدلي وفق أعلى المعايير الدولية. وإذا كانت هذه هي المبادئ التي التزمت بها السلطتان التنفيذية والسياسية أمام اللبنانيين، فإن أي قرار إداري يصدر خارج الأطر القانونية الواضحة يضع هذا الالتزام موضع اختبار فعلي، ويحمّل الحكومة مسؤولية إثبات أن احترام القانون ليس شعاراً سياسياً، بل قاعدة تحكم ممارستها اليومية.
رسالة سلبية إلى المستثمرين
ويمتد أثر هذا التناقض إلى الصورة التي يقدمها لبنان للمستثمرين والشركاء الدوليين. فقطاع الاتصالات من أكثر القطاعات حاجة إلى استثمارات خارجية لتحديث بنيته التحتية وتطوير شبكات الجيل الخامس والألياف الضوئية، والمستثمر الجاد لا ينظر فقط إلى حجم السوق، بل يسأل أولاً: هل تُحترم القواعد القانونية؟ وهل تُدار المرافق العامة وفق أطر مستقرة، أم بقرارات قابلة للطعن والإبطال؟ وإعادة تشكيل قطاع سيادي بصيغة تخالف القانون ترسل إشارة سلبية إلى كل من يفكر في الاستثمار في لبنان، في وقت هو في أمسّ الحاجة إلى استعادة هذه الثقة.

الشفافية شرط لأي إصلاح
كما أن حقوق العاملين ليست تفصيلاً إدارياً يمكن تأجيله. فالانتقال المؤسسي الحقيقي يسبقه تحديد واضح للوضع القانوني للموظفين، وآليات انتقالهم، وضمان حقوقهم بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الراهن، لا مع أرقام مضى عليها أكثر من عقدين، مع المحافظة على خبراتهم ومنع الازدواجية في الصلاحيات، ضمن إطار قانوني شفاف يطمئن الجميع.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ باحترام القانون، لا بالالتفاف عليه، ويبدأ أيضاً بإبراز الملف الإداري كاملاً أمام الرأي العام، بما يشمل الدراسات القانونية والتنظيمية والمالية، ودراسات الأثر، وخطط الانتقال واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر، ومحاضر اللجان ومجلس الوزراء، وتاريخ توزيع مشروع المرسوم على الوزراء. فالشفافية ليست خياراً سياسياً، بل واجب قانوني.
الفرصة لا تزال قائمة
لا تزال الفرصة قائمة أمام رئاسة الحكومة ووزارة الاتصالات لإعادة الأمور إلى إطارها القانوني الصحيح، بما ينسجم مع قانون الاتصالات رقم 431/2002، ويحفظ استمرارية المرفق العام وحقوق العاملين فيه، قبل أن تتحول هذه الثغرات القانونية إلى أزمة مؤسسية وقضائية طويلة الأمد.
إن اللبنانيين لا يحتاجون إلى إصلاحات شكلية، ولا إلى عناوين براقة، بل إلى دولة تحترم قوانينها قبل أن تطلب من مواطنيها احترامها.
فالقرار قد يصدر في دقائق، وقد يُوقَّع من دون أن يُقرأ...
أما بناء المؤسسات، فلا يتم إلا باحترام القانون.
نبض