.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عن أبيه أول رئيس جمهورية بعد الاستقلال ورث الشيخ ميشال الخوري لقب المشيخة. فما اكتفى به تراثًا مكتسَبًا، بل أضاف إليه الكثيرَ ممّا حققه في المناصب الهامة التي شغلها خلال حياته المديدة الزاخرة بالإنجازات في مجالات شتى، فمن محام لامع، ومحكم يكسب دون عناء ثقة المتقاضين بعلمه واستقامته، إلى رئيس للمجلس الوطني للسياحة، المؤسسةِ التي جلبت السواح إلى لبنان بفضل مكاتبها في العواصم الأوروبية، إلى وزير عدة مرات بحقائب مختلفة، حتى انتهى به مطاف المهامّ الوطنية حاكمًا لمصرف لبنان، وقد تميز في ذلك كله بكفاءة عالية وتجرد وحسن إدارة ونزاهة لا يرقى إليها الشك.
ولو أخذ والده بوصيته وتوصية صهره ميشال شيحا عدم تجديد ولايته في العام 1948، لانتهى عهد الشيخ بشاره الخوري بتأييد واسع من الشعب اللبناني ولكانَ تلافى معارضة أقلية برلمانية سرعان ما تحولت إلى أكثرية شعبية، اضطر بعدها الرئيس للاستقالة من منصبه.
ترك ما سميّ آنذاك بالانقلاب الأبيض جرحا" كبيرا" في قلب الشيخ ميشال الخوري حمله على التطرف في نزاهته، وعلى نوع من التقشف والابتعاد عن مظاهر الثراء وعن عشرة السياسيين والأعنياء، لائذًا بالثقافة التي اختزنها وتوسع في آفاقها يومًا بعد يوم.
وكان في ذلك نقيض شقيقه الشيخ خليل، الذي لم يكن أقلّ منه ذكاء، وإنما اختار رغد العيش وخوض المعترك السياسي، فانتخب نائبًا عن عاليه أكثر من مرة.
ذلك ان الشيخ ميشال، الذي ودعناه منذ أيام، تأثر تأثيرا" بالغا" بنمط حياة خاله ميشال شيحا، المصرفي اللامع، والمفكر والشاعر، والكاتب، الذي شارك في صياغة الدستور اللبناني وكرّس لفلسطين والقضية الفلسطينية الكثير من كتاباته، فضلا عن تأسيسه جريدة " لوجور" (le Jour)، المقربة من الكتلة الدستورية بمواجهة جريدة " لوريون" (L’orient) التي أسسها جورج نقاش.
وبإيحاء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي كان يرى فيه مرشحًا جديًّا لرئاسة الجمهورية، استقال الشيخ ميشال من حاكمية مصرف لبنان التزامًا منه بحسن تطبيق المادة 49 من الدستور التي تشترط استقالة موظفي الفئة الاولى من مراكزهم قبل سنتين من انتخابهم لرئاسة الجمهورية. وبما أن احتمال ترشحه لهذا المركز يفرض عليه الاستقالة، استجاب الشيخ ميشال إلى طلب الرئيس الحريري، فحلّ محلّه الحاكم السابق رياض سلامه، مع ما رافق ولاية هذا الأخير، من أحداث، ليس المجال هنا للتحدث فيها.
كان الشيخ ميشال يفرض احترامه على الجميع، بسبب ترفعه عن الصغائر، وسيرته التي لا شائبة تشوبها، وحسن تعامله مع الناس، وثقافته السياسية والفكرية الواسعة. وكان يبدي لمن يصطفيه من أصدقائه خشيته على لبنان وينبّه إلى مكامن الخطر الذي يهدد الوطن في بنيته وإلى عدم استطاعته مواجهة المخاطر المتأتية من تحالف فئة كبيرة من أبنائه مع النظام الإيراني، على حساب دولة علمانية موحدة.
برحيل الشيخ ميشال الخوري أفقد صديقًا عزيزا" ظل حتى أيامه الأخيرة مرجعًا حكيمًا، ألجأ إليه كلما أعوزَني رأي صائب، فيلبّي بتهذيب لافت وتواضع قلّ نظيره. سأفتقده كثيرًا في خريف حياتي، وأعوِّدُ نفسي على التفكُّرِ كلَّ مرة في أي نصيحة كان بوسعه أن يزودني بها لو كنت قادرًا على استشارته بصددها. رحم الله الشيخ ميشال الخوري "شيخ الاوادم" في زمن يكاد يفرغ من أمثاله.
وزير سابق
_________________