حين كان الصيف يُقيم في لبنان!

مقالات 10-07-2026 | 06:32

حين كان الصيف يُقيم في لبنان!

اليوم، أصبح الهاتف أول ما نحمله في الرحلة. وأضحت الصورة أهم من اللحظة. غيّرت التكنولوجيا شكل الصيف، وبات كثيرون يختارون وجهاتهم السياحية بحثاً عن صورة جميلة لمواقع التواصل الاجتماعي أكثر من سعيهم للهدوء أو الاستجمام.

حين كان الصيف يُقيم في لبنان!
صيف لبنان - أوتيل الريفيارا 1999 (النهار)
Smaller Bigger

"شايف هالصورة ؟"

 

قالتها جدتي ليلى وهي تفتح ألبوماً جلدياً قديماً، اصفرّت صفحاته، لكنّ الزمن لم ينَل منه. راحت تقلّب الصور بحنان، كأنها تخشى أن توقظ تلك الأوقات القديمة المستلقية في كتاب ذكرياتها العتيق. توقفت عند صورة صغيرة بالأبيض والأسود تجمعها بجدي منير، وهما يبتسمان وسط أشجار الصنوبر.

 

ابتسمت وقالت: "بعد أسبوع من زواجنا، أخذني إلى بحمدون. تمشّينا في شوارعها، وشربنا القهوة في أحد مقاهيها، ثم مرّ مصوّر يحمل كاميرته على كتفه، فالتقط لنا هذه الصورة. يومها لم تكن الصورة تُلتقط كلّ دقيقة، بل كانت تخلّد أجمل الذكريات."

 

أغلقت الألبوم برفق، ثم أضافت جملةً بقيت ترنّ في ذهني:

 

"الصيف يا ستّي كان غير".

 

لم تكن ليلى تتحدث عن الطقس، بل عن الحياة نفسها. عن زمنٍ كان الصيف فيه موعداً للفرح، ولمّ شمل العائلة، وصناعة الذكريات. زمن كان يقاس بعدد السهرات على الشرفة، لا بعدد الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي. إجازة كانت تُعاش ولحظات ضحك تبقى مطبوعة في أرجاء البيوت لا على "إنستغرام".

 

كلما أصغي إليها، أدرك أنني لا أستمع لقصص امرأة تستعيد صيف عمرها فحسب، بل أرهف السمع لحكايات تنسج وطناً لا مثيل له ولفصوله ولأسلوب الحياة الذي تفرّد به في ما مضى.

 

صيف لبنان: ثمارٌ تنضج وذكريات تُنسَج

 

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم يكن الصيف اللبناني مجرد موسم سياحي، بل دورة حياة كاملة. قبل أن يصل تموز، كانت القرى تستعد لاستقبال أبنائها العائدين من بيروت والاغتراب. تُشرّع البيوت أبوابها بعد سبات شتاء طويل، تُجهَّز الساحات، وتملأ ضحكات الأطفال الأزقّة والطرقات. كان الأولاد يخرجون من منازلهم منذ البكور فيهرعون سريعاً نحو فرن الضيعة ويشترون منقوشة الصعتر مع "بونجوس الهرم" ثمّ يتحلّق بعضهم حول بعض ويبدؤون بلعب "الغمّيضة"، و"الحجلة"، و"سبع حجار"، بين البيوت القديمة.

 

وما إن يبدأ الكرز والمشمش بالنضوج حتى تتحوّل البيوت إلى ورشٍ صغيرة. تُجمع الثمار في السلال، وتجلس النساء حول القدور النحاسية الكبيرة لإعداد المربيات. وفي أيام أخرى، يُقطف التين ويُنشر فوق الحصيرة ليجف تحت الشمس، فيما تُعصر عناقيد العنب لإعداد الدبس اللذيذ، وتُجفف الملوخية والبامية، ويُعلّق الصعتر والنعناع والميرمية على الشرفات لتفوح رائحتها في أرجاء القرية.

 

ومع اقتراب نهاية الصيف، يبدأ الموسم الذي كانت جدتي تعتبره إعلاناً بأن الخريف بات قريباً. إنّه موسم الكِشك. كانت النساء يتجمّعن منذ الفجر، يعجنّ البرغل باللبن، ثم يفردنه على ألواح خشبية أو أقمشة بيضاء فوق أسطح المنازل ليجف تحت وطأة شمس آب. فتتحوّل الأسطح إلى لوحة بيضاء، بينما تتبادل الجارات الأحاديث والوصفات والضحكات، قبل أن يُطحن الكشك ويُخزَّن ليصبح زاد الشتاء.

 

لم تكن المؤونة مجرد طعام، بل ثقافةً كاملة، تعني الاكتفاء، والتعاون، واحترام المواسم، والإيمان بأنّ خير الأرض يجب أن يرافق العائلة طوال السنة.

 

 

ليالٍ تحت النجوم

 

وعند المغيب، تغيّر القرية إيقاعها فتُسقى الأشجار، وتبدأ السهرات. تُفرش بعدها الحصائر على الأسطح ويُحضّر إبريق الشاي أو القهوة وصحن البطيخ والعنب. يتحادث الجيران من سطح إلى آخر، فتضحي القرية بيتاً واحداً يجمع الجميع بحبٍّ وألفة.

 

تبقى السماء السقف الوحيد. لا أجهزة تكييف، ولا أصوات مولّدات، ولا شاشات مضيئة. فقط نسيم الجبل، ورائحة الياسمين، ونجوم كان الأطفال يحاولون عدّها قبل أن يغلبهم النعاس.

 

بحمدون وعاليه عاصمتا الصيف العربي

 

تحوّلت بحمدون وعاليه إلى أشهر مصايف الشرق الأوسط، تستقبلان العائلات القادمة من الدول العربية والأوروبية، الباحثة عن مناخ صيف لا مثيل له. وكان الوصول إلى الجبل رحلة مميّزة عبر سكة حديد بيروت - دمشق، حيث كانت النوافذ تكشف البحر أولاً، ثم الصنوبر، ثم الضباب الذي يعلن الوصول إلى الاصطياف. وفي صوفر، يقف فندق صوفر الكبير شاهداً على زمنٍ استقبل فيه ملوكاً وأمراء ورؤساء وفنانين من مختلف أنحاء العالم.

 

وبين البحر والجبل، صُوِّرت عشرات الأفلام، ووجد كبار الفنانين العرب في لبنان مكاناً يلتقي فيه الفن بجمال الطبيعة. حضرت فاتن حمامة، وأحبّ فريد الأطرش لبنان وغنّى فيه، وصوّرت هند رستم ونجلاء فتحي وميرفت أمين أعمالاً في ربوعه، كما ارتبط اسم حسين فهمي بمرحلة كان لبنان فيها الوجهة الأولى للإنتاج الفني العربي. كانت الكاميرا تقع في حب الطبيعة اللبنانية قبل أن تبدأ بتصوير الممثلين.

 

حين كانت الموسيقى تعلن وصول الصيف...

 

ولم يكن الصيف ليكتمل إلا مع افتتاح مهرجانات بعلبك الدولية. هناك، بين الأعمدة الرومانية، صدح صوت فيروز، وكتب الأخوان الرحباني أعمالاً تجلّت فيها صورة لبنان الثقافية. ثم جاءت مهرجانات بيت الدين، وجبيل والأرز وبيت مري وجونية، لتؤكد أنّ الصيف اللبناني ينبض حياة وفنّاً وسهراً.

 

لبنان الذي ألهم الشعراء

 

حين زار ألفونس دو لامارتين لبنان، كتب عن جباله وأرزه بعبارات جعلته أحد أبرز من وصف جماله في الأدب الأوروبي. وسار على خطاه جيرار دي نرفال، فيما دوّن غوستاف فلوبير انطباعاته عن المشرق.

 

وفي السياق نفسه، جعل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وايليا أبو ماضي وسعيد عقل وغيرهم من الطبيعة اللبنانية جزءاً أصيلاً من أدبهم؛ فالجبال رمز للحرية، والأرز علامة للخلود، والأودية فضاء للتأمل، حتى بدا كأنّ لبنان بنفسه يكتب معهم.

 

لكن، هل تغيّر الصيف... أم تغيّرنا نحن؟

 

اليوم، أصبح الهاتف أول ما نحمله في الرحلة. وأضحت الصورة أهم من اللحظة. غيّرت التكنولوجيا شكل الصيف، وبات كثيرون يختارون وجهاتهم السياحية بحثاً عن صورة جميلة لمواقع التواصل الاجتماعي أكثر من سعيهم للهدوء أو الاستجمام. حتى الأولاد، يقضون صيفيّتهم أمام الشاشات ويتواصلون مع أصدقائهم عبر الألعاب الإلكترونية أكثر مما يلتقون بهم في الساحات.

 

لا شك في أنّ التكنولوجيا سهّلت حياتنا، وجعلت التخطيط للإجازات أكثر بساطة، وفتحت أبواباً جديدة لاكتشاف العالم. لكنّها جعلت الإنسان أقل قدرة على الانفصال عن ضجيج الحياة اليومية، وأقل حضوراً في اللحظة التي يعيشها.

 

ربما تغيّر الزمن كثيراً، لكن نسمة مساء في الجبل، أو رائحة تين ناضج، أو أغنية لفيروز، لا تزال قادرة على أن تفتح بداخل كلّ لبناني ألبوماً قديماً... لم تصفرّ صفحاته بعد!

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.
لبنان 7/9/2026 12:40:00 PM
هذه القصص تبقى للمؤمنين رسائل أمل تتجاوز الحدود
فن ومشاهير 7/5/2026 4:53:00 PM
وكان خان قد كشف عن علاقتهما للمرة الأولى خلال احتفاله بعيد ميلاده الستين، عندما قدّم غوري أمام وسائل الإعلام بوصفها شريكة حياته.
فن ومشاهير 7/7/2026 4:42:00 PM
شاركت مجموعة من الصور التي جمعتهما خلال حضورهما حفل زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي.