من كابول إلى دمشق: ما الذي تغير في التعامل مع الحركات الإسلامية؟

مقالات 15-06-2026 | 12:59

من كابول إلى دمشق: ما الذي تغير في التعامل مع الحركات الإسلامية؟

لم يتغيّر موقف العالم جذرياً من الحركات الإسلامية المسلحة، بل تغيّرت أولوياته نحو البراغماتية والتعامل مع سلطات الأمر الواقع عندما يصبح إسقاطها مكلفاً أو غير ممكن.

من كابول إلى دمشق: ما الذي تغير في التعامل مع الحركات الإسلامية؟
العاصمة السورية دمشق (النهار)
Smaller Bigger

عندما دخلت حركة طالبان العاصمة الأفغانية كابول في آب/أغسطس 2021، بدا المشهد للكثيرين وكأنه إعلان فشل لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث. 

وبعد سنوات قليلة، يجد العالم نفسه أمام واقع سوري جديد تتصدره قوى إسلامية كانت حتى وقت قريب موضع مقاطعة سياسية وأمنية واسعة. وبين التجربتين يبرز سؤال يتجاوز حدود أفغانستان وسوريا: هل تغيرت بالفعل نظرة المجتمع الدولي إلى الحركات الإسلامية المسلحة، أم أن ما تغير هو طبيعة المصالح والأولويات الدولية؟

منذ نهاية الحرب الباردة، لم تكن العلاقات بين القوى الكبرى والحركات الأيديولوجية المسلحة ثابتة أو محكومة بمعايير أخلاقية مجردة، بل خضعت في معظم الأحيان لحسابات القوة والاستقرار والمصلحة. فالدول لا تتعامل مع الفاعلين السياسيين والعسكريين بناءً على هوياتهم الفكرية فقط، وإنما وفق قدرتهم على التأثير في الواقع وإدارة المناطق التي يسيطرون عليها.

هذا ما حدث، بصورة مختلفة، مع طالبان. فالحركة التي خاضت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي حرباً ضدها لعشرين عاماً، أصبحت بعد عودتها إلى السلطة طرفاً لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة تنظيم داعش في خراسان والهجرة غير الشرعية والمساعدات الإنسانية. لم يتحول الغرب إلى مؤيد لطالبان، لكنه انتقل من محاولة إسقاطها إلى محاولة التأثير في سلوكها عبر قنوات التواصل والضغوط السياسية والاقتصادية.

التاريخ الحديث يقدم نماذج عديدة مشابهة. ففي سبعينيات القرن الماضي كانت الصين الشيوعية تمثل الخصم الأيديولوجي الأكبر للولايات المتحدة في آسيا، لكن زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972 فتحت صفحة جديدة من العلاقات بين الطرفين، ليس بسبب تغير طبيعة النظام الصيني، وإنما لأن المصالح الاستراتيجية الأميركية اقتضت إعادة ترتيب الأولويات في مواجهة الاتحاد السوفياتي.

الأمر نفسه يمكن ملاحظته في تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي في إيرلندا الشمالية. فالحركة التي خاضت صراعاً مسلحاً طويلاً ضد الدولة البريطانية تحولت تدريجياً إلى جزء من العملية السياسية بعد اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998. لم يكن ذلك نتيجة انتصار عسكري حاسم لأي طرف، بل نتيجة اقتناع الجميع بأن إدارة الصراع أصبحت أكثر جدوى من استمراره.

وفي أميركا اللاتينية شهدت حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) مساراً مشابهاً بعد عقود من الحرب. فالحركة التي صنفتها دول عديدة كمنظمة إرهابية دخلت لاحقاً في مفاوضات سياسية انتهت باتفاق سلام سمح لها بالتحول إلى فاعل سياسي مدني.

هذه النماذج لا تعني أن طالبان أو القوى الإسلامية المسلحة في سوريا تسير بالضرورة في المسار ذاته، لكنها تكشف عن نمط متكرر في السياسة الدولية: عندما تعجز القوة العسكرية عن حسم الصراع، يبدأ البحث عن صيغ جديدة للتعامل مع الواقع القائم.

في هذا السياق، تبدو التحولات الحالية مرتبطة أيضاً بإرهاق القوى الغربية من الحروب الممتدة. فبعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان، أصبح هناك ميل متزايد داخل العواصم الغربية لتجنب الانخراط العسكري المباشر في النزاعات المحلية، خصوصاً مع انتقال مركز الاهتمام الاستراتيجي نحو المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا والتحديات الاقتصادية العالمية.

لذلك، لم يعد الهدف الرئيسي في كثير من الأزمات تغيير الأنظمة أو إعادة هندسة المجتمعات، كما كان مطروحاً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بل منع انهيار الدول واحتواء التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من البراغماتية الدولية تجاه الحركات الإسلامية التي نجحت في فرض نفسها كسلطات أمر واقع. فبالنسبة للعديد من الدول، يبقى وجود سلطة مركزية قادرة على ضبط الحدود ومواجهة التنظيمات الأكثر تطرفاً أقل كلفة من ترك فراغ أمني مفتوح.

في أفغانستان، كان الهاجس الغربي الأبرز يتمثل في منع عودة البلاد إلى منصة انطلاق للتنظيمات الجهادية العابرة للحدود. وفي سوريا يبرز القلق ذاته من احتمال عودة تنظيم داعش أو ظهور موجات جديدة من الفوضى الأمنية التي قد تمتد آثارها إلى العراق وتركيا وأوروبا.

لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر كبيرة. فالتجارب التاريخية تظهر أن منح الشرعية السياسية لقوى مسلحة دون وجود مسار واضح للإصلاح السياسي وبناء المؤسسات قد يؤدي إلى استقرار مؤقت فقط. ففي كثير من الحالات نجحت السلطات الجديدة في فرض الأمن، لكنها واجهت لاحقاً تحديات تتعلق بالحريات العامة والتعددية السياسية والاندماج الوطني.

وفي الحالة السورية تحديداً، لا يرتبط مستقبل الاستقرار فقط بقدرة السلطة الجديدة على ضبط الأمن، وإنما بقدرتها على بناء عقد اجتماعي جديد يضم العرب والكرد والسريان والتركمان وسائر المكونات الدينية والقومية، ويؤسس لمؤسسات دولة تتجاوز منطق الغلبة العسكرية أو الأيديولوجية.

ما يجري اليوم لا يعكس بالضرورة مصالحة تاريخية بين الغرب والحركات الإسلامية الراديكالية، بقدر ما يعكس تحوّلاً في أساليب إدارة الصراعات. فالمجتمع الدولي لم يتخل عن هواجسه الأمنية أو قيمه المعلنة، لكنه بات أكثر ميلاً إلى التكيف مع الوقائع الميدانية عندما تصبح هذه الوقائع عصية على التغيير بالقوة.

وعليه، فإن السنوات المقبلة ستحدد ما إذا كانت الحركات التي وصلت إلى السلطة قادرة على التحول من قوى ثورية أو عسكرية إلى مؤسسات حكم مستقرة وقابلة للاستمرار. فالتاريخ يظهر أن المجتمع الدولي يستطيع التعايش مع أنظمة مختلفة التوجهات، لكنه يجد صعوبة أكبر في التعايش مع الفوضى المزمنة.

لهذا قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان العالم قد أصبح صديقاً لهذه الحركات، بل ما إذا كانت هذه الحركات قادرة على إعادة تعريف نفسها بما يسمح لها بالانتقال من شرعية القوة إلى شرعية الحكم، ومن إدارة راع إلى إدارة الدولة.

الأكثر قراءة

طبخ 6/12/2026 11:22:00 AM

قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.

رياضة 6/4/2026 1:31:00 AM
فازت إيطاليا على لوكسمبورغ 1-0 في مباراة ودية، حيث سجل إسبوزيتو الهدف الوحيد في أول ظهور للمنتخب بعد الإخفاق في التأهل لمونديال 2026
رياضة 6/9/2026 10:20:00 PM
لم يشهد تاريخ كأس العالم سوى حالة واحدة فقط واجه فيها شقيقان بعضهما البعض
رياضة 6/13/2026 7:21:00 AM
موعد مباراة الجزائر ضد الأرجنتين في كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة للمواجهة المرتقبة بين بطل العالم 2022 بقيادة ليونيل ميسي و"محاربي الصحراء" بقيادة رياض محرز