لبنان بين شاقوفين
يبدو الرئيس نبيه بري بصمته المقصود كمن يجلس بين شاقوفين: مطرقة حليفه الأصفر من جهة وسندان الرئيسين جوزف عون ونواف سلام من جهة أخرى. هو يسير بعقلانية بينهم بعيداً عن المواقف السياسية الحادة المتبادلة التي تخرج عن الاطراف الثلاثة، ويتصرف معهم كـ "قاضي صلح" محاولاً قدر الإمكان نزع صاعق فتيل المواجهة السياسية بينهم مجنباً البلد أنفجاره كي لا يؤدي ذلك لأخذه الى ما لا تحمد عقباه من المس بالسلم الأهلي من قبل المتربصين به شراً وبأهله من أصحاب العقول الحامية عند بعض القوى الحزبية التي لا تزال تمني النفس بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإرجاعه الى أحضان الحرب الاهلية التي لن تجد لها ممراً أو مكانا جديدا بين غالبية اللبنانيين وقياداتهم السياسية والروحية. وحتى الآن نجح بري في ابقاء السلطة الثانية ممراً إلزامياً لأي جهد عربي واقليمي ودولي لإنهاء الحرب الاسرائيلية على لبنان والتفاهم حول وقف مسبباتها.
وانطلاقا مما تقدم، فقد أخطأ الثلاثة معا بحق أنفسهم أولا، وثانيا بحق بعضهم البعض، وثالثا لم يحسنوا ادارة العلاقة بينهم واستيعابها واحتوائها لصالح البلد واستقراره العام. الرئيس عون، في سياق الكلمة التي ألقاها مساء الجمعة 17 نيسان الماضي، بعد ساعات من اتصال وزير الخارجية الاميركي ومن ثم اتصال الرئيس دونالد ترامب به، لم يكن عليه ان يصف الأخير بـ"الصديق" في معرض شكره له لوقوفه الى جانب لبنان. فبين قادة الدول لا صداقات شخصية، ولا يجوز اسباغ تلك الصداقات في المراسلات أو الخطابات الرسمية. والناس ستتساءل متى استجدت تلك الصداقة لا سيما وأن ترامب لم يكن أساساً يريده رئيسا ويعارض انتخابه، وهو كان ارسل مع والد صهره اللبناني بولس مسعد الى الرئيس بري ورئيس الحكومة آنذاك نجيب ميقاتي، تمنيه عليهما بتأجيل اجراء الانتخابات الرئاسية الى ما بعد قسمه اليمين الدستورية ودخوله البيت الابيض ومباشرة مهامه الرئاسية في النصف الثاني من كانون الثاني 2025. لكن الرئيس بري ومن خلفه شريكه في الثنائية فضلا التجاوب مع طلب الرئيس بايدن بالذهاب الى انتخاب العماد عون ( 9 كانون الثاني 2025 ) وإعطاء سبق انهاء الفراغ الرئاسي للإدارة الديموقراطية في البيت الابيض قبل رحيلها بأيام. وهنا نريد أن نسأل فخامته ماذا لو طلب منه ترامب بحكم مونة "الصداقة" المستجدة بينهما، لقاء نتنياهو وأصر على مصافحته داخل مكتبه في البيت الابيض لالتقاط الصورة معهما واعلانه انه انهى الحرب بين لبنان واسرائيل في حال زيارتهما لواشنطن بتوقيت واحد؟ هذا الوصف في الخطاب، الى امور اخرى تضمنها، دفع الرئيس بري الى وصف المستشارين السياسيين للرئيس عون بـ "المراهقين" ، متهما اياهم بدفع فخامته الى عدم التجاوب مع المبادرة السعودية ودفنها قبل أن تولد نتيجة النصيحة "العرجاء" من هؤلاء الذين دفعوه لاتخاذ خطوات لم تؤد سوى الى زيادة الوضع سوءا والى اجهاض مساعي الرياض عن قصد أو غير قصد وفق تعبيره.
أما الرئاسة الثالثة فاعتبرت بأن ما تتخذه من مواقف هو الصح ولا تدرك بأنها تذهب بارادتها الى نطح الحيط عبر مواقفها غير المسؤولة التي تتخذها وأبرزها قرارها المتسرع بإجراء مفاوضات مباشرة مع اسرائيل قبل أخذها بعين الإعتبار ضرورة حصولها مسبقا على قرار نهائي لوقف اطلاق النار وإنهاء الاعمال العسكرية العدوانية ضد لبنان. وكان الأحرى بالحكومة اللبنانية ان توقف مفاوضاتها المباشرة مع اسرائيل عندما أعلن سفيرها في واشنطن أن لكيانه ولبنان عدو مشترك هو حزب الله . ثم تبعه وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو في مقابلة مع قناة فوكس نيوز يوم 27 نيسان الماضي ونشرها في اليوم التالي على حسابه في منصة إكس : إن لبنان واسرائيل معا ضحايا حزب الله ، ويسعيان للسلام في ما بينهما لأنهما ليسا في حالة حرب، فمشكلة اسرائيل هي مع حزب الله وليست مع لبنان . كاشفا عن سعي واشنطن للعمل على إنشاء وحدات مختارة من الجيش اللبناني لتلقي تدريبات والحصول على معدات من أجل نزع سلاح حزب الله وتفكيكه كي لا تضطر اسرائيل للقيام بذلك، ولم نسمع رئيس الحكومة او وزير خارجيته أو أي مسؤول أو سياسي لبناني، يشجب هذا الكلام أو يحتج عليه ليس دفاعا عن حزب الله الذي اوصل نفسه واهله ووطنه الى هذا الوضع المأسوي نتيجة حساباته الخاطئة بل من اجل تحصين الوحدة الداخلية.
أما حزب الله فلا نريد أن نعلق الان على قصوره السياسي بإنتظار وضع الحرب أوزارها، عندها تكون لنا عودة مفصلة على كل ما قام به من دعسات ناقصة بحقه وبحق مقاومته وبيئته وطائفته وبلده منذ ما بعد تحرير الارض عام 2000 الى اليوم. وهو كان السباق بنطح الحيط نتيجة فائض قوته التي أعمت بصيرته وجعلته يستهزىء بعدوه ولا يسمع نصيحة محب وصديق اعتقادا منه إنه هو الصح وأفهم من غيره وان الآخرين على خطأ. وهو بهذا المعنى لم يحسن لا إستيعاب العهد ولا كيفية التعامل مع رئيسه ولا رئيس حكومته وتصرف كانه لا يزال يتمتع بفائض قوته ناسياً انه بمغامراته غير المحسوبة خسر نصف قوة مقاومته وقدراتها وقادتها ودمر مناطقه في الضاحية والجنوب والبقاع وبدل من أن يواجه رئيسي الجمهورية والحكومة بحجج منطقية وواقعية لجأ عبر بعض مسؤوليه الى إلقاء تهم العمالة والتخويين عليهما وعلى المحيطين بهما وهذا إن دل على شيء فإنه يدل عن قصور سياسي حاد وكبير .
أمام هذه المشهدية المحزنة نصلي ليحمي الله لبنان واهله من القصور السياسي والعنتريات الفارغة والاتهامات التافهة المتبادلة بين الأطراف الثلاثة التي لولا وجود بري لعقلنتهم معا لكانوا أخذوا البلد الى ما لا تحمد عقباه .
نبض