رشا الأمير عارية إلا من أحزانها!
كنت مستلقياً على الأريكة، وبجانبي كأس من الشاي المغربي، أتصفح هاتفي المحمول، وإذا بمقالٍ للزميل غسان حجار، أرمقه في "النهار" رماني بثقلِ السنين وجعاً وفقداً وأيقظَ أحزاناً لم ولن تموت.
كتبَ حجار "سلمى مرشاق سليم رحلت إلى لقمانها"، فسقطت وردة في بئر لا ماء فيها ولا خوابي حولها تحملها القوافل العابرة؛ فالبئر نضب ما بها من عذبِ شرابٍ، والسواقيَ تشققت أباريقها، وقطعتِ الأعناق.
عاد لي وجه الصديق الأثير والحبيبُ لقمان سليم، الذي لا شفاء منه. وكيف لي أن أبرح من رحيله منزلاً، وهو المقيم ما أقامت الحياة بين الصدور؟!
لقمانٌ الذي حتى الساعة عيناي كصخرٍ على فجيعته. يومها، تيبس الزمن والدمع كان عصياً. فقط مرة واحدة انكسر فيها صمتُ قلبي عندما هاتفت أخته رشا الأمير مواسياً، ساعتها بكت وبكيت، وبعدها صمت سرمديّ، وكأني لا أريد أن أعترف أنني سأعود إلى بيروت وأجد متكأ لقمانَ مؤثثاً بغيابه.
اليوم رشا عاريةٌ إلا من الوجع والفقد والألم، وكأنها سليلة الأحزان التي لا قِبَلَ لها بها. كأنها المتسربلة بالدمِ المراق، والمغتسلة بالنبيذ المرِ، والمرتدية تاج الشوك، والآخذة من الطَفِ نُدابها.
رغم أنني لم أرها منذ سنوات طوال، طوال، فإن السِت سلمى مرشاق سليم حاضرة كضمير يقظٍ، وأمٍ شدت على جرح الفجيعة، مؤثرة الخير على الشر، والصبر على الانتقام، والنبل على الحقد؛ وهي التي يومَ سرقَ القتلة الحاقدون روح لقمانها، وقفت بكلِ صلابة معلنة أنها هي الأعلى شيماً وأخلاقاً. رثت ابنها بفخرٍ وعزٍ وأنين الأم، إلا أنها ألقت بزهرةٍ ولم تطلق رصاصة.
هي اليوم في الفردوس، عند مليكٍ مقتدرٍ، تتقلدُ الريحان في الجنان، تنادم وتناغي وتضاحك ابنها الصغير – الكبير؛ تمازحه، وربما تعاتبه على رحيلٍ باكرٍ لم يخترهُ بيديه، لكنه واجههُ بصدرٍ عارٍ وقلبٍ شجاع، وبقي ببسالة محدقاً في عيني قاتله.
لكِ الرحمة أيها السامقةُ روحاً وفكراً، ولرشا ولنا من بعدك خوابي من وجعٍ معتقٍ وعلقَمٍ مُصَفى!
نبض