غرقُ "نهاية التاريخ" في مياه إيران الإقليمية!
"ما نشهده ليس نهايةً للحرب الباردة، ولا انقضاءً لحقبة من تاريخ ما بعد الحرب، إنما نشهد نهاية التاريخ بالمعنى الحرفي للكلمة، أي بلوغ النهاية في التطور الأيديولوجي للبشرية، وتعميم الديموقراطية الليبرالية الغربية شكلاً نهائياً للحكم البشري". بهذه الكلمات، نعى فرانسيس فوكويوما التاريخ السياسي البشري في 1989، قبل أسابيع قليلة من سقوط جدار برلين ونجاح ميخائيل غورباتشوف في إطلاق رصاصة الرحمة على الاتحاد السوفياتي، وقيام الأحادية الأميركية السياسية – العسكرية في العالم.
ربما يضاهي مانيفستو فوكوياما حينها المانيفستو الشيوعي الشهير في تقدير الأقدار بعده، لكنه تجاوزه في المجال الجيو-أيديولوجي، إذ سمح لمنظّري الغرب – بعد حرب باردة طويلة - بالقول: "هذا زمننا"... وأتاح لهم إطلاق "عالم ما بعد الأيديولوجيا" حين أعلن في مقالته "نهاية التاريخ" انتهاء الصراعات الأيديولوجية الكبرى، وتوقف التطور السياسي البشري بترسيخ "الديموقراطية الليبرالية".
ولكن! يقف العالم اليوم على قدم واحدة، سياسياً واقتصادياً ومالياً، بانتظار الغارة الأميركية الأولى على طهران، أو الصاروخ الكوري الأول على سيول، أو القصف الصيني الأول لتايوان، بما يؤكد للبشرية أن فكرة فوكوياما التي تحولت شعاراً ثم بنى عليها الغرب بنيته الأيديولوجية بعد الحرب الباردة، وصلت إلى تصدعها الكبير بفعل الضربات الارتدادية لـ"الأيديولوجيا" التي لم تمت، كما تمنى لها فوكوياما.

لقد أنشأ فوكويواما بـ"نهاية التاريخ" أجيالاً غربية آمنت بأن ما تراه في بلادها هو "الديموقراطية الليبرالية" التي انتصرت بانهيار السوفيات، وبأن أسئلة التاريخ الكبرى قد حُسمت، ولا ضرورة بعدُ للاستمرار في التسييس الذي بلغ أوجه في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، لأن أوان النقاش المؤدلج فات، ولأن التورط الشعبي في النقاش السياسي كان عبثاً "ثورياً" وولى. وهكذا، فقد أي اقتراع طعمه، وغابت المحاسبة "الديموقراطية" الفعلية، وأعيد تشكيل الفهم العام للفشل السياسي بردّه إلى القصور الفردي. كذلك، أعيد تشكيل الفهم العام لمعنى "الغزو الإمبريالي" بتسميته "حملات نشر مبادئ الديموقراطية وتعميم احترام حقوق الإنسان وخلع الطغاة والإرهابيين". رافعةً هذا الشعار، غزت الولايات المتحدة العراق، ثم أفغانستان، لينتهي الأمر بالبلدين في أحضان إرهابين: إيراني وطالباني، بـ"تفهّم" غربي واضح وصريح، لا أدلّ عليه مما يرد في مراسلات جيفري إبستين مع قادة العالم وسادة الأمم. وبالشعار نفسه، نصّب الرئيس الأميركي دونالد ترامب – بشهادته – أحمد الشرع رئيساً على سوريا ما بعد الأسد.
آمن العالم بوهم قدمه دعاة "الديموقراطية الليبرالية"، ليبرأ من شرورهم. لكن وصول ترامب إلى الرئاسة الأميركية مرتين، وربما يعود ثالثة، قوّض الكثير من الأوهام الراكدة، بمساهمة فعلية من قوتين عظميين لا مناص من الاعتراف بتأثيرهما: روسيا والصين. فهذا ثلاثي لا يلتقي أقطابه في الوسائل ولا في الأفكار، لكنهم يسيرون في اتجاه واحد: تفكيك نُظم استمرت طويلاً بفعل سيطرة سردية صارت بالية. وهذا التفكيك يُفقد النظام "الديموقراطي الليبرالي" - الذي قُدِّس ذات يوم - حتميته، ويُحيل فكرة تمام التطور الأيديولوجي وهماً، ويُضعف الأساس الأيديولوجي لكامل النظام الغربي. وعبر ثغرات يفتحها تقهقر السردية الغربية، يمكننا رؤية إخفاقات الديموقراطيات الليبرالية الغربية بلا رادع.

وهكذا، على وقع طبول الحرب، قام التاريخ الذي نعاه فوكوياما في 1989 من موته، مبشراً بانهيار الديموقراطيات نفسها. فالامتناع عن الأيديولوجيا السياسية، تطبيقاً لنظرية فوكوياما، حرم المجتمع الغربي مرجعية أيديولوجية قوية ومتماسكة، يمكنها التصرف – كيفما كان – في زمن الأزمات، رغم استمرار التمايز السياسي والاجتماعي بين يمين ويسار. لكنه تمايز لم يحمل نكهة الصراع ولا يتلطَّى وراء رومانسية ثورات التحرر الوطني. هذا الحرمان خلق فراغاً ملأته الشعبوية بمآسيها أو العسكريتاريا بقسوتها. وهذه هي حال أميركا اليوم، إذ تهبّ لقتال إيران التي يحتمي مرشدها ونظامها وملاليها وأكثر من 90% من شعبها بأيديولوجيا "ظهور المهدي"، الذي يشقّ بسيفه الحشود العسكرية التي ربطها ترامب في الخليج العربي. هذا ما يجعل النظام الإسلامي في إيران منيعاً من إخفاقات الديموقراطيات التي تنهار في قبضة اليمين الشعبوي، واحدةً بعد أخرى. وهذا ما يعيد التاريخ على بدوه، صراعٌ للبقاء. والصراع للبقاء لا يتوقف.
نبض