مسقط: الجولة الأولى تُثبت سقف الخلاف
لم تكن جولة مسقط بين الولايات المتحدة وإيران مفاوضات لحصد اتفاق سريع، بل اختباراً للنيات لمنع انقطاع المسار. خرج الطرفان من دون قطيعة، وهذا وحده كان الهدف الواقعي للجولة. ما تحقق هو إبقاء قناة التواصل مفتوحة تحت ضغط مرتفع، وفتح الباب عملياً أمام جولة ثانية.
الجولة الأولى كشفت سريعاً سقف الخلاف. طهران تمسكت بالتخصيب داخل أراضيها، ورفضت فكرة وقف التخصيب أو نقله إلى الخارج. واشنطن يبقى مطلبها الأساسي هو قطع الطريق نهائياً أمام السلاح النووي، مع محاولة توسيع جدول الأعمال إلى الصواريخ والوكلاء وملف الداخل الإيراني. عند هذه النقطة يتضح سبب بطء التقدم، فكل طرف يدخل إلى الطاولة وهو يبحث عن اتفاق بمعنى مختلف، لذا بقيت الفجوة على حالها تقريباً.
الخلاف لم يقتصر على الشروط، بل امتد إلى طريقة إدارة التفاوض. إيران اعتادت القنوات غير المباشرة، وأرادت أن تبقى المحادثات ضمن الوساطة العُمانية، مع حديث عن لقاءات مباشرة محدودة خلال الجولة. في المقابل، تدفع واشنطن نحو مسار تفاوضي سريع الإيقاع لكن تحت ضغط عسكري مرتفع، فيما تراهن طهران على الوقت، وتصرّ على حصر النقاش بالنووي وحده.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح بالخيار العسكري، ثم يصف محادثات مسقط بأنها "جيدة". التفاوض عند ترامب أداة ردع، والردع امتداد للتفاوض. لذلك جرت الجولة تحت سقف الحشود العسكرية والتهديدات العلنية، بما يجعل المسار الديبلوماسي محكوماً بمعادلة محددة، فإمّا صفقة وفق الشروط الأميركية، وإما انتقال إلى خيارات تصعيدية عند تعثّر المسار.
العواصم الخليجية قرأت جولة مسقط بميزان الاستقرار قبل أيّ اعتبار آخر. ليس لأن الخليج طرف في التفاوض فحسب، بل لأنه أول من يتأثر إذا انزلق المشهد إلى مواجهة جديدة على خطوط الملاحة وأسواق الطاقة. لذلك جاء الترحيب الخليجي باستضافة سلطنة عُمان للمحادثات كدفعة باتجاه التهدئة. وفي أبوظبي كان الموقف منسجماً؛ معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي لصاحب السمو رئيس دولة الإمارات، أكد خلال القمة العالمية للحكومات أن "الشرق الأوسط لا يريد مواجهة أخرى بين الولايات المتحدة وإيران". دول الخليج تراهن على أن يتحول الوقت الذي تمنحه مسقط إلى تهدئة قابلة للبناء.
زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرتقبة إلى واشنطن جاءت كردّ فعل على ما خرجت به جولة مسقط. نتنياهو يحمل مطالب متشددة تتجاوز النووي إلى الصواريخ وشبكة الأذرع، لأن تل أبيب تخشى أن تؤدي المفاوضات إلى تفاهم نووي محدود يترك مصادر التهديد الأخرى قائمة. وإدارة ترمب تبحث عن خطوة إيرانية قابلة للقياس تمنع التصعيد، مثل ضبط مستوى التخصيب، وترتيبات واضحة للمخزون، وعودة آليات الرقابة والتفتيش التي تُعيد الحد الأدنى من القدرة على التحقق. من هنا يُفهم استعجال نتنياهو للقاء، ومحاولة رفع سقف الشروط قبل أن يتحول عامل الوقت إلى مسار تفاوضي مستقل يصعب تعديله لاحقاً.
روسيا تتحرك بعقلية ضبط المخاطر. زيارة علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى موسكو جاءت في توقيت دقيق. موسكو تدرك أن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يرفع كلفة الحرب الأوكرانية عليها، ويعقّد علاقتها بإدارة ترامب التي لا تريد استفزازها الآن. لذلك تفضّل حلولاً تقنية مثل ترتيبات تخص المخزون والرقابة، بدل ذهاب المنطقة إلى مواجهة تُربك الجميع؛ وهذا يفسّر أيضاً هدوء التوازنات الروسية-الأميركية في سوريا.
جولة مسقط منحت الجميع مساحة حركة إضافية. طهران الآن أمام اختبار مباشر يتعلق بكيفية استخدام الوقت من دون أن تحوّله إلى سببٍ لتصعيد جديد. إدارة ترامب ستقيس الجولة التالية بما يمكن إثباته على الأرض، لا بما يقال في البيانات، وستواصل إسرائيل محاولة رفع سقف الشروط داخل القرار الأميركي، فيما يبقى هاجس دول الخليج ألّا يعود الإقليم إلى مناخ التصعيد.
خلال الأسابيع المقبلة سيتضح إن كان هذا المسار سيتحوّل إلى تهدئة قابلة للاستمرار، أم أن المنطقة ستعود إلى دائرة الضغط المتبادل.
نبض