ماذا یعني تصنیف الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإیراني منظّمةً إرهابيّة؟
قرّر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوريّ الإيرانيّ في اللائحة الأوروبيّة للمنظّمات الإرهابيّة، في قرارٍ غيرِ مسبوقٍ أعقَبَ نقاشات مطوّلة داخلَ مؤسّساتِ الاتحاد، ليضعَ طهران في موقعٍ مماثلٍ لتنظيماتٍ مثل "داعش" و"حماس" و"القاعدة" و"حزب الله". وقد أعلنت الممثلة العليا لشؤون السياسة الخارجيّة في الاتحاد كايا كالاس، أنّ "أيَّ نظام يقتل آلافاً من أبناء شعبه، إنّما يسيرُ في طريق فنائِه"، مؤكّدةً أنّ التعاملَ مع الحرسِ الثوريّ يجب أن يكونَ تماماً كما يُتعاملُ مع سائر التنظيماتِ الإرهابيّة.
القرارُ يمثلُ زلزالاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً للنظامِ الإيرانيّ، إذ يستهدفُ الجهازَ الذي يُشكّلُ العمودَ الفقريَّ لحكمِ المرشدِ علي خامنئي. فالحرسُ الثوريّ الذي يحتكرُ النفوذَ العسكريَّ والسياسيَّ والسيطرةَ الاقتصاديةَ على مفاصلِ الدولة، أصبحَ اليوم في قلبِ دائرةِ الاتهامِ الدوليّ بالإرهاب. وبهذا صارت إيرانُ تواجهُ عزلةً نوعيّةً متزايدةً، بينما تتراجعُ قدرتُها على المناورةِ الديبلوماسيّةِ أو الحصولِ على إعفاءاتٍ ماليةٍ واقتصاديّة.
الأثرُ الاقتصاديّ للقرارِ بالغٌ، لأنّ الحرسَ الثوريّ يُهيمنُ منذُ عقودٍ على أغلبِ النشاطات التجاريّة في البلاد، من قطاعِ النّفط والغازِ مروراً بالبنى التحتيّةِ والمصارفِ والاتصالاتِ وصولاً إلى صناعةِ البناءِ والنقل. وتعدُّ هذه الشركاتُ واجهاتٍ رئيسيّةً لتمويل نشاطات الحرسِ وأذرعِه الإقليميّة. وبإدراجِه في اللائحةِ السوداء، تُصبحُ أيُّ صفقةٍ أو استثمارٍ أوروبيٍّ في إيران مهدّدةً بالعقوباتِ، ما يُقوّضُ عمليّاً قدرةَ النظامِ على الصمودِ داخليّاً.
سياسيّاً، يُعدّ التصنيفُ بمثابةِ أوّلِ عقوبةٍ نوعيّةٍ تُفرضُ على طهران بعدَ القمعِ الدمويّ للانتفاضةِ الشعبيّة. وقد اعتبرَ محلّلونَ أنّ القرارَ انتصارٌ أخلاقيٌّ لضحايا القمعِ ورسالة تضامن مع المحتجّينَ الإيرانيّين الذين واجهوا الرصاصَ بصدورٍ عارية. كذلك يشكّلُ اعترافاً دوليّاً جديداً بأنّ أدوات النظام القمعيّة، وعلى رأسِها الحرسُ الثوريّ، هي مصدرُ الإرهابِ والعنفِ في الداخلِ والخارج.
داخليّاً، يُتوقّعُ أن يُحدثَ القرارُ ارتباكاً كبيراً داخلَ مؤسّساتِ القمع، إذ باتَ عناصرُ الحرسِ مكشوفينَ أمامَ الملاحقةِ الدوليّة، ولا يمكنهم التذرّعُ بالحصانة السياسيّة. ومن شأنِ ذلك أن يُعمّقَ الشرخَ في الصفوفِ ويُضعفَ تماسكَ الأجهزةِ الأمنيّة، في حين يمنحُ المعارضةَ الإيرانيةَ زخماً جديداً ويُعزّزُ معنويّاتِها. فإدراجُ الحرسِ الثوريّ يُعدُّ في نظرِ المعارضينَ مصادقةً أوروبيةً على شرعيّةِ مقاومتِهم ضدَّ آلةِ البطشِ التابعةِ للنظام.
القرارُ يُغلقُ آخرَ أبوابِ المراوغةِ السياسيةِ التي اعتمدَها النظامُ لسنواتٍ تحتَ رايةِ "الانفتاح" و"الاتفاقِ النووي"، ويؤشّرُ لتغيّرٍ جذريٍّ في مقاربةِ أوروبا حيالَ طهران. كذلك يُعيدُ الاعتبارَ إلى طرحِ المقاومةِ الإيرانيةِ منذ ثمانينياتِ القرنِ الماضي، بأنّ إسقاطَ النظامِ لا يتحقّقُ إلا عبرَ نضالٍ شعبيٍّ منظّمٍ يواجهُ القمعَ بالقوّةِ ويكسرُ احتكارَ السلطةِ من داخلِ البلاد.
وبذلك، يُمكنُ القولُ إنّ إدراجَ الحرسِ الثوريّ إرهابيّاً يُمثّلُ تحوّلاً استراتيجيّاً في ميزانِ القوى داخلَ إيران. فهو يُضعفُ الركائزَ الأمنيّةَ للنظام، ويُعزّزُ عزلةَ طهران الخارجيّة، ويُمهّدُ لمرحلةٍ جديدةٍ من المواجهةِ بين الشعبِ والنظام. قراراتُ كهذه لا تُسقطُ نظاماً بمفردِها، لكنها تُعرّي جوهرَه وتدفعُ الأوروبيّين والعالمَ إلى الاعترافِ بأنّ طريقَ التغييرِ في إيران قد بدأَ فعلاً، وأنّ النهايةَ وإنْ تأخّرَت، باتتْ أقربَ من أيّ وقتٍ مضى.
*عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
نبض