هل تنجح منظومة الأمم المتحدة في الصمود؟
وليد محمود عبد الناصر
تواجه منظومة الأمم المتحدة في هذه الآونة تحدّيات جسيمة، وباتت تشق طريقها وسط أنواء عاتية. وقد يكون من المتفق عليه أن من أهمّ تلك التحديات ما عرضه الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" من أفكار تتعلق بطرحه الخاص بـ "مجلس السلام"، وعدم قصر عمل هذا المجلس على معالجة الأوضاع في قطاع غزة الفلسطيني، بل التحدث عن استمرار هذا المجلس بعد ذلك لمعالجة النزاعات والصراعات الدولية القائمة في عالمنا؛ وهو ما فسّره البعض باعتباره إحلالاً لـ "مجلس السلام" محلّ مجلس الأمن في الأمم المتحدة.
يتعين أن نوضح بأننا عندما نتحدّث هنا عن منظومة الأمم المتحدة، فنحن لا نتحدث فقط عن المنظمة الدولية، بل عمّا يرتبط بها من برامج ومنظمات ووكالات دولية متخصصة.
ومن المؤكد أن التحدّي الراهن ليس هو الأول الذي تواجهه منظومة الأمم المتحدة منذ إنشاء المنظمة الدولية عام 1945، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كما أنه لن يكون الأخير، دونما تقليل أو مبالغة في تقدير أهمية وخطورة التحدي الراهن.
فبدءًا من تحدّي الحرب الباردة وحالة الاستقطاب العالمي بين المعسكرين الشرقي، بزعامة الاتحاد السوفياتي السابق، والغربي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، وصعود نجم كل من حركة عدم الانحياز ومجموعة الـ 77 كتكتلات معبرة عن بلدان الجنوب العالمي المستقلّة حديثاً آنذاك، والداعمة للتنظيم الدولي وما يجسّده من الحفاظ على الشرعية الدولية والقانون الدولي، مروراً بتحدّي انتهاء الحرب الباردة، وانتهاء القطبية الثنائية، وتأرجح النظام الدولي ما بين الأحادية القطبية وتعدد الأقطاب ومحاولات إرساء أسس جدول أولويات جديد للمجتمع الدولي، من خلال سلسلة المؤتمرات الدولية حول مختلف التحديات العالمية، التي شهدها عقد التسعينيات من القرن العشرين، وصولاً إلى تحقيق توافق دولي حول "الأهداف الإنمائية للألفية"، ومن بعدها "أهداف التنمية المستدامة"، نجحت منظومة الأمم المتحدة في تخطّي حواجز وعقبات ليست بالهينة أو القليلة.
ولا يجب أن ننسى أن منظومة الأمم المتحدة واجهت في عقد الثمانينيات من القرن العشرين موجة متواصلة من حملات الانتقاد والهجمات السياسية والإعلامية والتهديدات الجدية من جانب بعض الدول الغربية الكبرى، والتي كان في مقدَّمها آنذاك الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس الجمهوري اليميني الراحل "رونالد ريغان"، وبريطانيا بقيادة رئيسة الوزراء اليمينية الراحلة "مارغريت تاتشر"، بل وانسحبت بعض الدول الغربية من عضوية بعض الوكالات الدولية المتخصصة المنضوية ضمن منظومة الأمم المتحدة خلال تلك الحقبة.
لكنه في نفس الفترة لم يكن أحد يطرح بديلاً لمنظومة الأمم المتحدة، ولم يدع أحد إلى إلغائها أو الاستغناء عنها كلياً، بل كانت الدعوات تطالب فقط بإصلاح الأمم المتحدة. وهو جهد بدأ بالفعل على المستوى الحكومي، وعلى مستوى الأمانة العامة للمنظمة الدولية، منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي. ولكنه جهد لم يكلّل حتى الآن بالنجاح المرجو بسبب تباين، بل تناقض، الإرادات السياسة للدول الأعضاء.
أما الطرح الأخير للرئيس الأميركي "دونالد ترامب" فقد يمثل تهديداً لوجود الأمم المتحدة ومنظومتها، ويتجاوز ذلك من خلال طرح البديل لمجلس الأمن الدولي ممثلاً بـ "مجلس السلام". لكنه أيضاً لم يحظ حتى الآن بالدعم الدولي الذي يتطلع إليه، ليس فقط من قبل دول منافسة للولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية، بل واجه انتقادات من جانب دول مهمة، تندرج ضمن الإطار العام للتحالف الغربي، بالإضافة إلى تحفظ بعض هذه الدول على استمرارية "مجلس السلام"، والمطالبة بقصره على معالجة الأوضاع في قطاع غزة.
وبالرغم من أن الكثيرين سوف يتفقون على أن منظومة الأمم المتحدة لم تحقق الكثير مما كان مرجواً منها على النحو المأمول، فإن الكثيرين سوف يتفقون على أنها حققت أيضاً الكثير من الآمال التي انعقدت عليها منذ إنشائها، وهو ما قد لا يكون واضحاً دائماً للعيان بسبب ضبابية المشهد الدولي في العديد من الأحيان؛ فهي حالت دون اندلاع حرب عالمية جديدة، ووضعت ركائز لتعاون دولي قائم على مصالح إنسانية مشتركة، ومنحت قدراً من الأولوية لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي تهم بشكل خاص بلدان الجنوب العالمي، ووفّرت ساحة لاتخاذ مواقف دولية مشتركة بوجه تحدّيات هدّدت الحياة الإنسانية، سواء أكان مصدر تلك التهديدات الطبيعة أو البشر، كما أنها مكّنت البشرية من تحقيق إنجازات مهمّة لا يجب الاستهانة بها في موضوعات تتعلّق بحماية وتمكين المرأة وتحسين أوضاع الأطفال والمسنّين والصحة العامة والتعليم وحماية اللاجئين والنازحين، ومجابهة ما ينجم من مخاطر عن ظاهرة تغير المناخ والتصدّي لظواهر التمييز والعنصرية والتطرف والعنف والإرهاب، وغيرها من القضايا، وذلك بدرجات متفاوتة من النجاح.
ولذا، فمن المنطقي والمتوقع أن تجد منظومة الأمم المتحدة من يدافع عنها وعن وجودها واستمرارها على الصعيد العالمي من دول وحكومات ورأي عام عالمي ومنظمات مجتمع ومدني وغيرها، من دون أن يعني ذلك على الإطلاق تخلّي هؤلاء المدافعين عن دعوتهم لمواصلة وتعزيز واستمرار عملية إدخال إصلاحات إلى تلك المنظومة، إضافة إلى ما أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" في مارس 2025 من حزمة إجراءات للإصلاح على صعيد الأمانة العامة، ومع إدراك أن الإصلاح الشامل للمنظمة وللمنظومة ككل يتطلب في الأساس توافق الإرادات السياسية للدول الأعضاء ودعمها.
نبض