لا خوف ولا خشية على المحتوى المكتوب في الإمارات

مقالات 20-01-2026 | 13:34

لا خوف ولا خشية على المحتوى المكتوب في الإمارات

لا يزال المحتوى المكتوب معززاً مكرماً، وممثلاً بكل سحره وثقله الأدبي والفكري الجاد في مسابقة تحدّي القراءة العربي.
لا خوف ولا خشية على المحتوى المكتوب في الإمارات
أعلام إماراتية (وام)
Smaller Bigger

لماذا فشل معظم المحتوى المكتوب؟ طُرح هذا السؤال في جلسة من جلسات قمة المليار متابع التي عُقدت في دبي أخيراً بحضور 30 ألف مشارك، وشارك فيها ما يزيد على 500 متحدث وخبير عالمي يتابعهم أكثر من 3.5 مليارات شخص يمثلون نحو نصف سكان الكرة الأرضية. 

لم يكن السؤال عن فشل المحتوى المكتوب افتراضيّاً أو استفهاميّاً، بل جاء حاسماً وجازماً: المحتوى المكتوب فشل. ويأتي هذا الحديث عن نهاية الكتاب والمقال، وانتهاء عصر الكلمة، بل إصدار شهادة وفاة المحتوى المكتوب في ظل طوفان منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وصعود زمن المحتوى المسموع والمرئي.

لا شك في أن المحتوى الرقمي - بشقّيه المسموع والمرئي - صاعد ومؤثر، ويعيش عصره الذهبي، وجاء لينافس المحتوى المكتوب، لكنْ من السابق لأوانه القول إن المحتوى المكتوب فشل، أو ألغاه المحتوى الرقمي؛ فليس ثمة دليل واحد قاطع على أن المحتوى المكتوب بأشكاله وألوانه الإبداعية المختلفة من مقالات وكتب، وصحف ومجلات، ودوريات علمية، وبحوث ودراسات ورقية ومكتوبة انتهى زمنه، وفقد بريقه، وحان وقت دفنه؛ فما زالت الكلمة ساحرة ومؤثرة، ولم تفقد جمهورها، بل قد تكون الكلمة أصدق إنباءً من الصورة، وهذا صحيح في الإمارات كما هو على المستوى العالمي. 

وربما أبرز مثال على أن المحتوى المكتوب - خاصة الكتاب الورقي - له جمهوره في الإمارات، وأنه جاء ليبقى، ذلك الإقبال المنقطع النظير على المشاركة في مسابقة تحدي القراءة العربي بدورتها التاسعة التي انطلقت من أرض الإمارات؛ فقد شارك في دورة عام 2025 أكثر من 32 مليون طالب وطالبة من 80 دولة، قرأ كل منهم 50 كتاباً في العام، وحصلت التوأمان بيسان وبيلسان كوكة من تونس على جائزة المركز الأول.  

وفي السياق نفسه، يؤكد أن الكتاب "حيّ يرزق" في الإمارات الإقبال المذهل على زيارة معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي أقيم من 5 نوفمبر إلى 16 نوفمبر 2025، وسجل حضوراً جماهيريّاً هو الأكبر في تاريخه الممتد لـ44 عاماً، بلغ 1.4 مليون على مدار 12 يوماً. 

ولا يستقيم طرح السؤال: لماذا فشل المحتوى المكتوب على المستوى العالمي كما على الصعيد الإماراتي، فسلسلة هاري بوتر للمؤلفة البريطانية ج. ك. رولينغ بِيع منها أكثر من 500 مليون نسخة عالميّاً، وتُرجمت إلى 80 لغة؛ فهل هذا مؤشر إلى فشل المحتوى المكتوب؟ وهل يحق لكائن مَن كان أن يقرر أن الصورة أصبحت أكثر تأثيراً من الكلمة المكتوبة؟ 

أكثر من ذلك؛ وبعد ثلاثة آلاف عام، لا يزال كتاب أفلاطون "الجمهورية" يقرأه الطلاب في كل جامعات العالم. ومكتبة جامعة هارفارد - أكبر مكتبة جامعية في العالم - تجدها مكتظة بالطلاب ليلاً ونهاراً، وأحياناً تجد في قاعتها الرئيسية، التي تتسع لنحو 1500 شخص، طلاباً يستمدون معرفتهم من الكتب المرجعية برغم أنهم من جيل المحتوى الرقمي. وتقدم زيارة واحدة لمكتبة محمد بن راشد في دبي الدليل القاطع على أن المحتوى الورقي يعيش عصره الذهبي؛ فالمكتبة استقبلت نحو 700000 زائر محب للقراءة والكتابة في عام 2024، وأكثر من مليون زائر في عام 2025. 

وحتى الصحف اليومية العالمية هي اليوم أكثر رواجاً وتأثيراً مما يتصوره جمهور المحتوى الرقمي؛ والشاهد على ذلك أن عدد المشتركين في صحيفة "نيويورك تايمز" - مثلاً - بلغ 12.3 مليون مشترك. وبرغم أن هذه الصحيفة ليست الأكثر انتشاراً، فإن تحقيقاتها ومقالاتها هي الأكثر تأثيراً في الرأي العام الأميركي، وصنّاع القرار على الصعيد العالمي.

إن عمر المحتوى المكتوب يساوي عمر الحضارة الإنسانية؛ فأول محتوى مكتوب مدوّن عمره 7200 عام، وبرز في بلاد الرافدين ومصر القديمة؛ وما استمر 7200 عام سيستمر 7200 عام أخرى، ولن يحل محله المحتوى الرقمي الذي لا يزيد عمره على 50 عاماً فقط، وبدأ ظهوره مع بروز جهاز الكمبيوتر في عام 1971. 

وللعلم بالشيء وليس الجهل به؛ فإن تغريدة مكتوبة واحدة مكوّنة من 280 حرفاً تكون أحياناً أقوى تأثيراً من ألف صورة من تلك الصور والفيديوهات التي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تغني ولا تشبع من جوع، سوى الكثير من الضحالة والسطحية، والهزل الفكري الذي لا يضيف عمقاً لثقافة الإنسان ومعرفته.

وللتذكير إن نفعت الذكرى؛ فقد جاءت جائزة المقال الإماراتي التي أُعلِن انطلاق دورتها الثانية الأسبوع الماضي، لتعيد للمقال الوطني المكتوب حضوره في المشهد الثقافي والأدبي الإماراتي. ويُعد الإقبال الكبير على الجائزة في دورتها الأولى أكبر دليل على أن الكلمة المؤثرة محتفظة برونقها في الإمارات التي أطلقت أكبر عدد من الجوائز الأدبية والثقافية على المستوى العربي. 

ومهما حاول بعضهم التقليل من تأثير الكلمة، والانتقاص من المحتوى المكتوب وإصدار شهادة وفاته، والادعاء أن الكتاب والمقال فقَدا جمهورَيهما، وتراجع حضورهما؛ فإن الواقع في الإمارات وخارجها يقول عكس ذلك.

قد يكون هذا زمن التيك توك والبودكاست والمنصات البصرية والسمعيّة؛ وقد تُزاحِم الصورة بكل إبهارها وفتنتها الكلمة بكل سحرها وجلالها، لكنها لن تستطيع إلغاءها؛ فالكلمة صامدة صمود الدهر، وشكلت وعي الإنسان وذوقه قديماً وحديثاً، وستشكله مستقبلاً؛ فلا الكلمة تمثل بديلاً للصورة، ولا الصورة تمثل بديلاً للكلمة؛ لكن الحضارة - كما المعرفة - بُنيت على الكلمة أكثر ممّا بُنيت على الصورة، وعلى المحتوى المكتوب، لا على المحتوى المسموع، وعلى الكتاب لا على إنستغرام. 

وفي الإمارات تحديداً، لا يزال المحتوى المكتوب معززاً مكرماً، وممثلاً بكل سحره وثقله الأدبي والفكري الجاد في مسابقة تحدّي القراءة العربي، ويعيش مجده من واقع الإقبال الكبير على زيارة معارض الكتب ومكتبة محمد بن راشد. أما أدب المقال، فقد جدد حضوره مع انطلاق جائزة المقال الإماراتي الأولى من نوعها عربيّاً؛ فلا فشل ولا تراجع للكتاب والمقال، ولا خوف ولا خشية على المحتوى المكتوب في الإمارات، بلد التنوير العربي الجديد.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/19/2026 1:19:00 PM
علمت "النهار " أن فرنسا ستساعد الجيش اللبناني على وضع استراتيجية يقدمها للمؤتمر، لا تشمل فقط لائحة معدات وتمويل ولكن استراتيجية لنزع السلاح في كل البلد 
المشرق-العربي 1/18/2026 10:56:00 PM
تهيئة الظروف الملائمة للمشاريع الاقتصادية والتنموية.
المشرق-العربي 1/19/2026 5:12:00 AM
اشتباكات عنيفة بين "قسد" والجيش السوري في محيط سجن الأقطان بالرقة.
المشرق-العربي 1/19/2026 12:16:00 PM
المخابرات التركية كانت على تواصل مع الولايات المتحدة والحكومة السورية قبل إبرام الاتفاق.