رؤية طموحة ضرورية لإنقاذ إهدن من تدهور وشيك

مقالات 30-11-2025 | 06:43

رؤية طموحة ضرورية لإنقاذ إهدن من تدهور وشيك

هذه الخطة يجب ألا تُكتب في اجتماعات مُغلقة وأن تُحفظ في الأدراج، بل يجب أن تتحول إلى نقاشٍ عامّ تشارك فيه جميع فئات المجتمع
رؤية طموحة ضرورية لإنقاذ إهدن من تدهور وشيك
إهدن (اكس)
Smaller Bigger

بولس الدويهي*

نشأنا على فكرة أن بلدنا مشروع فاشل، وأننا أخفقنا في بناء حياةٍ كريمة لنا في هذا المكان الجميل، وأننا سمحنا لغرائزنا الدنيا — من الولاءات الطائفية إلى الأنانية الفردية — بأن تتغلب علينا وتحدّد ملامح وطننا ومدننا التي نعيش فيها. نتائج هذا الفشل واضحة في تاريخنا السياسي الحديث، لكنها، بالنسبة لي، تتجسّد بطريقة أوضح في المدن التي نسكنها.
ليس هدفي من هذا المقال التذمّر أو الاكتفاء بتشخيص عللنا وأخطائنا، بل محاولة إيجاد إطارٍ عامٍّ توجيهي وحلول عملية تمكننا من تصحيح المسار الذي نسلكه بما يشبه الثقة العمياء. لكن ما جدوى محاولة تغيير ما يبدو أنه عصيّ على التغيير؟ ربما لأنني أشعر بمسؤوليةٍ تجاه ما ورثناه من أرضٍ وثقافة وتاريخ، أو ربما السبب هو إحساسي بالانتماء للمكان الذي نشأت فيه، رغم كل التحديات والصعوبات التي نعرفها جيدًا.
إهدن، البلدة التي نشأت فيها، أصبحت اليوم مثالًا مؤلمًا يجسّد كيف يمكن لمجتمع أن يشوّه ما هو جميل، بسبب الإفراط في الأنانية والعلاقة الشائبة بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة "اليتيمة" التي لا تجد من يدافع عنها.

 

اهدن (اكس)
اهدن (اكس)


معارضتي للتطور العمراني السريع والعشوائي في أهدن ليست فقط من باب الدعوة إلى حماية البيئة أو المياه أو الهواء أو السماء الليلية، خاصةً أنني أعلم أن هذه الحجج لن تلقى آذانًا صاغية في مجتمعٍ اعتاد أن يعيش يومه دون أن يفكر في المستقبل. بل سأركّز بدلًا من ذلك على العوامل التي شوّهت بلدتنا الجميلة، والتي ستزداد خطورتها قريبًا إن لم نتحرك نحن القلائل الذين نشعر بالمسؤولية تجاهها.

يمكن تقسيم هذه الأمور إلى ثلاثة محاور رئيسية:

 

أولًا، غياب مخططٍ عمرانيٍّ متكامل لتنمية البلدة.
تكمن المشكلة هنا ليس فقط في عدم وجود هذا المخطط بل أيضًا في عجز البلدية عن تطبيق أي مخطط حتى لو وُجد. هذا العجز ناتج عن فشل الدولة، وعن فقدان عميق للثقة — يكاد يصل إلى حدّ الازدراء — بين المجتمع والسلطات المحلية. والنتيجة هي الفوضى التي نراها داخل إهدن وحولها: طريق رئيسي تحوّل إلى شريط تجاري مزدحم، أرصفة تحوّلت إلى مواقف للسيارات، مدخل البلدة المزدحم بسبب إنشاء مبنى عام دون أي دراسةٍ مسبقة، وغيرها من المشاكل التي كانت يمكن تفاديها لو وُجدت رؤية تخطيطية واضحة.


 

 

ثانيًا، النمو غير المنضبط للمشاريع الخاصة والسياحية 
تواجه إهدن اليوم موجة من المشاريع التجارية والسياحية التي تغيّر طابعها وتستغل موقعها الجغرافي لتحقيق الأرباح دون أن تقدم شيئًا في المقابل أو تضمن الحفاظ على جاذبيتها على المدى الطويل. فالمشاريع السياحية والفنادق والمطاعم تظهر بشكلٍ عشوائي وتقدّم عروضًا سطحية قصيرة الأمد. أما المنازل والمباني في إهدن فتستهلك كل شبرٍ من الأراضي المحيطة بها — سواء كانت عامة أو خاصة — دون أي اعتبارٍ للبيئة أو للمجال العام، مما يؤدي تدريجيًا إلى تشويه الطابع الجمالي الذي يميّز إهدن ويستفيد منه أصحاب هذه المشاريع أنفسهم.

ثالثًا، التوسّع العمراني الفوضوي حول المدينة 
يدمّر التوسّع العشوائي المشهد الطبيعي ويحوّل إهدن من قريةٍ جبليةٍ كبيرة إلى كتلة نمطية من المكعبات الإسمنتية. ويضاف إلى ذلك تدهور البنية التحتية — من شبكات المياه إلى إدارة النفايات — الذي يزداد سوءًا مع استمرار هذا التوسّع.
إن هذه القضايا لا تهدّد فقط الجاذبية الاقتصادية لإهدن، التي تعتمد على السياحة بشكلٍ كبير، بل تمسّ أيضًا نوعية حياة سكانها الذين سيجدون أنفسهم يعيشون في بيئة مرهِقة ومكتظّة. وفي حال استمرار هذا التحول العشوائي، ستواجه البلدة نتيجتين مؤلمتين: أولًا، ستصبح غير قابلة للعيش في فصل الصيف، إذ ستتحول البلدة إلى حفلة مستمرة في الهواء الطلق. وثانيًا، سيؤدي النمو غير المنضبط إلى تدمير جاذبيتها الطبيعية والتراثية، فتصبح إهدن شبيهة بالكثير من المدن اللبنانية اللتي كانت جميلة في الماضي، لكنها تشوّهت بسبب البناء المفرط.

السؤال المطروح هو التالي: هل يمكن إنقاذ إهدن من نفسها؟ هل يمكننا إيجاد حلول لا تتطلب إعادة تشكيل البنية الاجتماعية أو السياسية لمجتمعنا؟ أعتقد أن ذلك ممكّن، وأطرح هنا ثلاثة مسارات متوازية:
أولًا، وضع رؤية واضحة وخطة عمرانية لمستقبل إهدن.
لكن هذه الخطة يجب ألا تُكتب في اجتماعات مُغلقة وأن تُحفظ في الأدراج، بل يجب أن تتحول إلى نقاشٍ عامّ تشارك فيه جميع فئات المجتمع. لتحقيق ذلك، ينبغي تنظيم ورش عمل، ولقاءات، وحملات، ومشاريع تتيح للمواطنين المشاركة في تحديد هوية مدينتهم. هل نريد لإهدن أن تصبح ملهىً ليليًا ضخمًا؟ أم مركزًا للسياحة البيئية في شمال لبنان؟ أم خليطًا من الاثنين؟ هل يجب أن تستمرّ بالتمدد بلا حدود؟ أم علينا الحفاظ على مساحاتها الخضراء الباقية وإدارتها بشكل مستدام؟
يجب أن يكون هذا الحوار شاملًا قدر الإمكان، لينتج عنه رؤية يتبنّاها معظم السكان والجهات الفاعلة. رؤية تجيب عن سؤالٍ بسيط: كيف يمكننا استثمار إمكانات إهدن بشكل فعّال ومستدام؟
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، يجب تشكيل لجنة تمثيلية تضم ممثلين عن البلدية والمجتمع المدني وأصحاب المصلحة في القطاع السياحي وغيرهم، لتشرف على التنفيذ والتنسيق.

ثانيًا، إنشاء شبكة من المؤسسات التجارية المحلية الملتزمة بقيم احترام المصلحة العامة والاستدامة، على أن تميّز نفسها عن السلوك السائد القائم على الربح السريع. فتركّز هذه المؤسسات على الفوائد طويلة الأمد، مثل تطوير الفضاء العام، استخدام الطاقة المتجددة، إدارة النفايات بطريقة مسؤولة، وتشجيع الإنتاج المحلي ودعم الشباب.
ومن خلال تعاونها، يمكن لهذه المؤسسات أن تنشئ منظومة اقتصادية متكاملة ومترابطة، تجذب الزوار الذين يتشاركون هذه القيم، وتقدّم لهم تجربة عضوية ومستدامة لإهدن على مدار السنة. كما يمكن إعداد برنامج ثقافي وسياحي مشترك بين هذه المؤسسات، يثبت أنه يمكن التوفيق بنجاح بين الربح والاستدامة.

ثالثًا، معالجة التوسّع العمراني غير المنضبط الذي يهدّد مناطق حساسة مثل بقوفا والبعول، فهاتان المنطقتان تمثّلان الرئتين الخضراوين للمدينة وامتدادها البصري الطبيعي. هذا التوسّع العشوائي ناتج عن ثلاثة عوامل رئيسية:
العامل الأول مرتبط بخلل في قوانين البناء اللبنانية وطريقة تطبيقها على الأراضي المنحدرة، إضافة إلى التصنيف التنظيمي غير المناسب لإهدن. العامل الثاني هو السماح بإقامة مشاريع أبنية تجارية على أطراف المدينة، مما يسرّع ظاهرة التوسّع ويؤثّر سلبًا في جودة العمارة. والثالث هو تطبيق القوانين بشكل انتقائي بدافع المحسوبيات وغياب الرقابة، ما يؤدي إلى انتشار المخالفات.
من الضروري والممكن معالجة العاملين الأولين من خلال تعديل قوانين تصنيف المناطق التي تُطبّق على مناطق التوسّع في إهدن، والتي أثبتت فشلها. فالقوانين الحالية، التي وُضعت في التسعينيات، تقسّم الأراضي إلى زراعية وغابية وبيئية، وتحدّد الارتفاعات والمواد المسموح بها. لكنها في الواقع تسمح بإضافة طابقين إضافيين في مناطق التوسّع (الطابق السفلي "المكشوف" وثكنة القرميد)، وتسمح برفع مستوى تركيز البناء حتى 3.5 أمتار فوق المستوى الطبيعي للأرض، ما يؤدي إلى بنى من أربع طوابق (بينما قانون المنطقة يسمح بطابقين) وارتفاع إجمالي يقارب 11 مترًا بدل 7.5 أمتار، مما يتسبّب بتشويه المشهد الجبلي.
الحلّ بسيط وسبق أن تم اعتماده في عدة مناطق منها فقرا، حيث تم تعديل قانون التصنيف عبر «شروط خاصة» لتحديد الارتفاع الأقصى المسموح به من مستوى الأرض الطبيعي، لا من الأرض المصطنعة، وإلغاء الطابق السفلي المكشوف وثكنة القرميد»، مما يتيح اندماج الأبنية مع طبيعة الأرض الجبلية المنحدرة. كما يجب منع إقامة المشاريع التجارية في مناطق التوسّع (E1، E2 وغيرها)، وحصرها بالمساكن الخاصة فقط. وبذلك، تتركّز المباني التجارية ضمن وسط البلدة، ويتم حماية المناطق المحيطة من النمو العشوائي.
أما المشكلة الثالثة — غياب المساءلة — فهي الأصعب حلًّا في غياب تغيير اجتماعي على نطاق أوسع. لكن يمكن، في الوقت الحالي، إنشاء وحدة رقابة أو مكتب هندسي مرتبط بلجنة التخطيط، يتابع المخالفات وينشر تقارير علنية عنها. قد لا تتمكن من إيقاف كل التجاوزات، لكنها قادرة على كشف حجم المشكلة والضغط على السلطات لاتخاذ إجراءات جدية بصددها.
على هذه المسارات الثلاثة — إنشاء لجنة للإشراف على المخطط العام لإهدن، وتأسيس شبكة من المؤسسات التجارية المستدامة، وتعديل قوانين البناء وفرض تطبيقها — أن تسير في الوقت نفسه. فكل من هذه المسارات يعالج جانبًا محددًا من المشكلة، لتشكّل مجتمعة رؤية متكاملة للمستقبل.
يتطلّب تحقيق هذه الرؤية التزامًا جادًا من قبل العديد من أبناء البلدة، وأنا على يقين أن الكثير منهم مستعدّون لتكريس وقتهم وجهدهم لإنقاذ بلدتهم من التدهور الوشيك.
قد تبدو هذه الإجراءات طموحة في بلد اعتاد أن يهتم فيه كل شخص بمصلحته، لكن تحقيق تقدّم ولو جزئي — مثل إصلاح قوانين البناء — يمكن أن يُحدث فرقًا ملموسًا. وفي حال لم نتحرك اليوم، فلن يحمي شيء إهدن من تدهورها السريع نحو مستقبل حزين، وسنكون نحن أول من سيدفع الثمن.

مهندس معماري* 

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 11/28/2025 3:43:00 PM
نيفين العياصرة: "تعرضت إلى الشتائم والقدح والذم وسأتخذ بشأنها إجراءات قانونية واضحة".
كتاب النهار 11/29/2025 4:00:00 PM
مقاربته للمشهد بعد تجربته في السجن لم تختلف عن تلك التي كان يعتمدها عندما كان في سدة المسؤولية.
لبنان 11/26/2025 5:22:00 AM
كل ما يجب معرفته عن زيارة الحبر الأعظم الأحد
سياسة 11/28/2025 5:57:00 PM
تفاصيل غير مسبوقة عن كيفية وصول الموساد إلى عماد مغنية