هل يخطط ترامب لاستسلام أوكرانيا؟
تعدّ إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحد التحولات الأكثر إثارة للقلق على الساحة الجيوسياسية الحالية، إذ يتولى ترامب سياسة بلاده الخارجية بأسلوب يوصف بـ "الأناني"، مستنداً إلى مبدأ الواقعية السياسية الذي تحدث عنه هنري كيسنجر: "الدول ليس لديها أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة". هذه الرؤية الواقعية المدعومة بدبلوماسية قائمة على ميزان القوى ينطبق عليها قول الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز: "الاتفاقات من دون السيف ليست سوى كلمات ".
اليوم، تصطدم هذه المقاربة بشكل كامل مع مصالح أوكرانيا التي، بعد ثلاث سنوات من المقاومة أمام الهجوم الروسي، أصبحت مهدّدة أكثر من أيّ وقت مضى بتغيير التوازنات الاستراتيجية. هذا ويبدو أن ترامب، من خلال تقرّبه من الكرملين، يعكف على التفاوض على اتفاق قد يضرّ بكييف، مما سيؤدي إلى إعادة النظر في ميزان القوى الهشّ، الذي سمح لأوكرانيا بالوقوف بوجه موسكو. كلّ هذا يدفع الكاتب في "التايمز" البريطانية روجر بويز إلى القول: "إذا كان هذا هو السلام، فإن العالم عليه أن يستعدّ للمزيد من الصراعات"!.
من هنا، يبدو أن الرئيس الأميركي يقدم تنازلات كبيرة لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، مما يجعل أوكرانيا مجرد متفرج في مفاوضات لا تزال ملامحها غير واضحة، بينما مصيرها على المحك. هكذا يتم رسم اتفاق ثنائي بين واشنطن وموسكو، وهو يهدّد مباشرة السيادة الوطنية لكييف. في الواقع، استبعد دونالد ترامب أيّ احتمال لانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، واعتبر أن العودة إلى الوضع السابق لعام 2014 طرح غير واقعيّ، كما استثنى أيّ إمكانية لنشر قوات أميركية أو وحدات تبعاً لمنطوق المادة 5 من معاهدة حلف شمال الأطلسي، التي تضمن التدخّل العسكري للحلفاء دفاعاً عن أحد الأعضاء. علاوة على ذلك، اقترح إعادة دمج روسيا في مجموعة السبع الكبرى، ممّا سيمنح بوتين شرعية دولية سبق له أن فقدها نتيجة طموحاته التوسعيّة في أوروبا.
يتفاخر الرئيس ترامب بقدراته التفاوضية، وإن بدا أنه قضى على أيّ رادع محتمل في مواجهة تصعيد روسيّ، مكتفياً بتقديم ضمانات أمنية لموسكو، إضافة إلى تنازلات استراتيجية واسعة النطاق، حيث كان من الممكن له أن يُبقي الأمور غامضة ويستغلّ حلف "الناتو" كورقة ضغط، مع تهديد ضمنيّ لردّ غربيّ. لكنه اختار إزالة أيّ شكوك، ممّا يعرض أوكرانيا إلى عزلة خطيرة. ومع ذلك، تشير بعض المصادر الحكومية البريطانية لصحيفة "التايمز" إلى إمكانية تقديم ضمانات لأوكرانيا، حيث قد تضمن الولايات المتحدة غطاء جوياً معيّنًا مقابل الاستحواذ على المعادن النادرة. ووفقًا لتلك المصادر، قد يأخذ الاتفاق شكل نشر أنظمة دفاع من طراز "باتريوت" لحماية الوحدات الميدانية، وهي مبادرة تدعمها لندن التي تدافع عن نظام أمنيّ يعتمد على تبادل استراتيجي بين الموارد الطبيعية والمساعدة العسكرية.
من الضروريّ إجراء مفاوضات شاملة تشمل أوكرانيا ودولًا أخرى قد تجد نفسها في وضع حساس بسبب قربها الجغرافي من روسيا، وتزداد يأساً. وفي هذا السياق، معلوم أن الرئيس الأميركي يطمح إلى نيل جائزة نوبل للسلام. لكنه من غير المحتمل أن يدخل قائمة المرشحين إذا اكتفى بالسماح لبوتين بفرض استسلام على أوكرانيا. وبغضّ النظر عن سير الأحداث، من الضروري أن يؤدي ذلك إلى سلام عادل ونزيه يتم التوصل إليه عبر وساطة حكيمة بدلًا من الاستعراضات السياسية، حيث يظهر ترامب وكأنه يقدّم لبوتين أكبر هدية دبلوماسية له منذ بداية حرب كانت، في بعض الأوقات، تهدّد نظامه. وبدا جلياً أن المكالمة الهاتفية مع ترامب حققت تطلعات موسكو، حيث قد يتخذ طرفا الحرب الكبيران، الولايات المتحدة وروسيا، قرارات مصيرية تخصّ أوكرانيا، من دون الرجوع إليها أو إلى حلفائها الأوروبيين. ووفق مصدر دبلوماسي روسي تحدث إلى صحيفة "الغارديان" البريطانية: "كانت المكالمة المباشرة مع ترامب هي ما انتظره بوتين بفارغ الصبر". إنها بداية المفاوضات فقط، ولكن بوتين قد فاز في الجولة الأولى. ورغم الانتكاسات المدمّرة في بداية غزوها، والخسائر الكبيرة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، يشعر الرئيس الروسي بأن الزخم قد تغيّر لصالحه؛ ويزداد الأمل في موسكو بأن إدارة ترامب قد تساعد على تحقيق أهداف روسيا في أوكرانيا. ويضيف المصدر نفسه: "لقد ظل بوتين صبورًا ولم ينحن، بل انتظر حتى يتغير العالم من حوله". وهنا يمكن القول إن رهانه قد آتى ثماره بانتخاب ترامب.
لقد عبّر ترامب عن رغبته في إنهاء الحرب، لكن المخاوف تكمن في أن صفقة، تكون الولايات المتحدة الوسيط فيها، قد تفرض على أوكرانيا الاستسلام لمطالب بوتين المبالغ فيها. ومن هنا، قد يتحوّل الاتفاق المحتمل بين بوتين وترامب إلى فخ قاتل، حيث يرى البعض أوجه تشابه مع اتفاقات ميونيخ عام 1938، عندما قدمت بريطانيا وفرنسا جزءًا من تشيكوسلوفاكيا لإرضاء هتلر، مما مهّد الطريق للحرب العالمية الثانية، في ذلك الوقت؛ وعلى الرغم من وعود لندن وباريس، لم تكن براغ حاضرة على طاولة المفاوضات. وبالمثل، قد يتجاهل مثل هذا الاتفاق مصالح أوكرانيا الحيوية. وفي وقت تجد روسيا نفسها مستفيدة من ضعف حلف شمال الأطلسي تحت قيادة ترامب، فقد تتيح هذه الهشاشة لموسكو اختبار حدود التضامن الغربي، في محاولة لتوسيع نفوذها في أوروبا الشرقية. علاوة على ذلك، تشير تقارير استخباراتية أوروبية إلى أن روسيا قد تواصل مشاريعها الإمبريالية خلال الأشهر الستة التي تلي الاتفاق حول أوكرانيا. إن غياب ردّ موحّد ومتماسك من القوى الغربية قد يشجّع بوتين على التوسّع أكثر، في سعيه لتقويض استقرار دول الجوار، بينما يعزّز قبضته على أوكرانيا ومواردها.
في عموده الأسبوعي في "ديلي ميل" البريطانية، يرفض بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، والمهندس الرئيسي للدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، بشكل قاطع الفكرة القائلة بأن دونالد ترامب يمهّد لاستسلام كييف أو أنه يتبع سياسة الاسترضاء. ويندّد بأيّ مقارنة مع نيفيل تشامبرلين، ومؤتمر ميونيخ عام ١٩٣٨، مؤكّداً أن ترامب لا يريد التخلّي عن أوكرانيا، ولا يستطيع فعل ذلك حتى لو أراد. ويرى جونسون أنه من غير المعقول أن يبدأ ترامب ولايته بكارثة للغرب، أو أن يسمح بإهانة الناتو، أو أن يمنح بوتين فرصة لاستعادة السيطرة على أوكرانيا، محذراً من أن ذلك سيؤدي إلى تمرّد طويل الأمد في البلاد، «سيكون أكثر عنفاً من حرب البوسنة». كذلك يُشير إلى أن ترامب لا يستطيع تحمل «أفغانستان ثانية»، وأن أولويته هي تحقيق سلام يضمن لأوكرانيا السيادة والاستقلال. وفي هذا السياق، يدعو جونسون الأوروبيين إلى "تحمل مسؤولياتهم"، مؤكّداً أنه "قد حان الوقت لوقف الشكاوى واتخاذ موقف أكثر فاعلية، لأن هذه هي قارتنا، وهذا هو مستقبلنا".
إن تسوية مشوّهة للنزاع الأوكراني ستؤثر على ما هو أبعد من أوروبا، وستوفر سابقة خطيرة لقوى أخرى ذات طموحات لتعديل النظام العالمي. وفي هذا الوقت، فإن الصين، التي تراقب بعناية تعامل ترامب مع القضية الروسية، قد تحاول استغلال هذا الوضع التفاوضي للقيام بمغامرات عسكرية خاصة بها، مثل غزو تايوان. لقد فهمت بكين جيدًا أن ما تحتاجه هو الحفاظ على بعض أوراق الضغط لدفع واشنطن نحو الانعزال بدلًا من الدخول في صراع مكلف قد يكون غير قابل للسيطرة. وبالتالي، فإن التسوية المفروضة في القضية الأوكرانية لن تعني استقرارًا، بل ستكون بمثابة سيناريو لزعزعة الاستقرار الشامل. فعلى غرار الصين، سيتأثر أيضًا حلفاء الكرملين من إيران وكوريا الشمالية، الذين سيتشجّعون جراء العجز الغربي، وسيدفعهم ذلك لمتابعة أجنداتهم التوسعية الخاصة. وبذلك، لن تؤدي هذه السياسة الأميركية الجديدة، المبنية على الاستسلام والانكفاء، إلا إلى تسريع انهيار النظام العالمي الحالي وتقويض القانون الدولي. في النهاية، لا يمكن وصف هذه المقاربة بأنها دبلوماسية "السلام بالقوة"، بل هي بالتأكيد استسلام استراتيجي.
في الختام، يثير موقف ترامب من أوكرانيا، الذي يعتبره بعض الدبلوماسيين الأوروبيين "خيانة" بامتياز، مخاوف عميقة، ويسألون:" لماذا نضعف موقعنا قبل حتى أن تبدأ المفاوضات". ويؤكدون:" أن روسيا لم تقدّم شيئًا في المقابل سوى متابعة طموحاتها الإمبريالية". وتذكر هذه الوضعية بالأحداث المؤسفة في مؤتمر يالطا، قبل 80 عامًا تقريبًا، عندما قبل روزفلت وتشرشل بزيادة النفوذ السوفياتي، مما مهّد الطريق لتسويات جيوسياسية نتجت عنها نزاعات جديدة بعد إقامة موسكو "الستار الحديدي". اليوم، تتأهب قوتان عظميان، الولايات المتحدة وروسيا، للانقضاض على العالم من جديد، في عملية تقسيم قد تقوم على سلام مسلّح بين القارات مقابل استسلام أوكرانيا. وتبدو كلمة ونستون تشرشل آنذاك خير تلخيص لهذا الموقف:" السياسة الخارجية ليست لعبة يتم فيها رمي النرد من أجل متعة الأقوياء، بل هي معركة حيث يكون مصير ملايين البشر على المحك".
*طالب في العلاقات الدولية والاقتصاد في جامعة" كينغز كوليدج" - لندن
نبض