ردّ الجميل إلى بيروت

ردّ الجميل إلى بيروت
صورة جوية لبيروت.
Smaller Bigger

الطاهر لبيب*

عجِز العرب، بدءًا بحكامهم، عن إيقاف إبادةٍ جماعيّة رأوا بشاعتها تمتدّ من غزّة إلى بيروت، ذهابًا وإيابًا. لم تُرو لهم. رأوها "على المباشر". لماذا عجزوا؟ الجواب يطول، وفي غير هذا السياق. ما ثبت هو أنّ "هامش الحركة" المتروكَ لإرادة السّاسة العرب لا يتّسع لمواقف وقرارات كبرى من نوع ما يزيل احتلالًا أو يوقف حرب إبادة. لا جدوى، هنا، في مناطحة هذا المعطى بمقولة "فكّ الارتباط"، كما كانت تسمّى، أيامَ التفاؤل النظري. لنفترض، بتفاؤلٍ عملي، أن الهامش يتسع لإعمار مدينة.
في انتظار مآل غزّة، أي فلسطين و "ضواحيها"، لا أقرب وأنسب من الإعمار، تداركًا للعجز عن إيقاف الدّمار. ما يستغيث من المدن العربيّة، للأسف، كثير. لا تراتب، في المطلق، بين استغاثاتها، ولكن لبعضها من الأوضاع والمحفّزات وممّا استبطن الناس من صفاتها ما يُكسب إعمارها رمزيّةً خاصة. بيروت هي من هذا النوع: أوضاعٌ صعبة تكمن فيها طاقات إبداع متنوّعة، ورصيدٌ من التعلّق والحنين ومن الصور والهُوامات في ذهن المقيم والعابر. وأما ما قيل وكُتب وتغنّى به المغنّون عن جاذبيّة بيروت فيُسأل عنه شعراء العرب، فهم لم يتغزّلوا بمدينة مثلما تغزّلوا ببيروت. 
ليس المقصود بالإعمار ترميمَ الحجر وظروف بعض البشر، فهذا مطلوب ومنتظر من "الأشقّاء"، وقد تتقنّع به قوىً ساهمت في التدمير. المقصود فعلٌ عربي ذو نزعةٍ حضاريّة، متعدّد الأبعاد، بعيد الرؤية والمدى، يسند بيروت في استعادة شغف حياتها ونسيج إبداعها وإشعاعها. المقصود فعلٌ شفّاف المقاصد يمتحن قدرة العرب على بناء نموذج من التضامن في الإبداع أو من الإبداع في التضامن، خارجَ مَضايق السياسة، وبما هو أجدى من الشجب والتنديد شهيريْ العجز والبؤس. في هذا الفعل المركّب يتساند ويتكامل ما يقدّمه المانح والمستثمر والعائد من مهجرٍ والمثقف والفنّان، كلٌّ بما له من قدرةٍ أو مَلكة. كيف؟ الجواب لبناني، تصوّرًا وإنجازًا وتحييدًا للمطبّات. هل طرح الفكرة طوباوي؟ نعم، هو كذلك على الورق وفي السائد من اليأس العام، ولكن يكفي أن تتبنّاه دولة ذات مكانة وقدرة أو بعضٌ من كبار أثرياء العرب، بدءًا باللبنانيين منهم، لتتحوّل الطوباويّة إلى واقع ملموس. لماذا يصعب على بيروت أن تجد من يهبّ لإعمارها وتجد كاتدرائية نوتردام دي باريس متبرّعين من مائة وخمسين دولة، تبرعوا لها بما فاق المطلوب لترميمها؟ المسألة ليست مسألة إمكانات وإنما هي مسألة رؤية، بما في ذلك رؤية الذات.
مناداة العرب، تحديدًا، إلى إعمار بيروت هي، هنا، مناداةٌ إلى الاعتراف لها بجميل ما قدّمت: قدّمت لهم الكثير ودفعت أثمان ما قدّمت. تُسأل عن هذا أجيال سابقة لجأ منها إليها الباحثون عن حريّة القول والحركة، ويُسأل عنها الآخذون عنها ما أشعّت به من نثرٍ وشعرٍ وفنون وكفاءاتٍ وخبرات. بيروت مدينة معطاء، تعطيك ما تملك وتعطيك، تخيّلًا أو حنينًا، ما لم تعد تملك. هذا العطاء يستحقّ ردّ الجميل. ومهما يكن، فليست هذه أول مرّة تصاب فيها بيروت. قياسًا على قول ياباني: بيروت إن سقطت خمسَ مرّات قامت ستًّا، و"ستَّ الدنيا"، دائمًا.

*مفكر تونسي

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/6/2026 8:11:00 AM
تعمل الحكومات على ترتيب رحلات مستأجرة وتوفير مقاعد على عدد محدود من الرحلات التجارية لإجلاء عشرات الآلاف من الأشخاص.
الخليج العربي 3/6/2026 2:35:00 PM
أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن شكرها "لروسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة الإماراتية–الأميركية".
المشرق-العربي 3/6/2026 6:00:00 AM
إلى أي مدى تمتلك إيران القدرة العسكرية على إصابة هذا الموقع الحساس، وما التداعيات المحتملة إذا تعرّض المفاعل فعلاً لهجوم مباشر؟
المشرق-العربي 3/6/2026 11:36:00 AM
منذ بدء الحرب بهجوم أميركي-إسرائيلي مشترك على إيران يوم السبت، حضت الحكومات الأجنبية مواطنيها على مغادرة دول الشرق الأوسط