مقالات
11-11-2024 | 19:23
أي "طوائف" لبنان غداً؟... لا نغيّر ما بالـ "لبنان" حتى نغيّر ما بأنفسنا
أي لبنان غداً؟ ربما يكون الأجدى أن نسأل: أي لبنانيين غداً؟ إنّا لا نغيّر ما بالـ "لبنان" حتى نغيّر ما بأنفسنا
تعبيرية
من يتفاءل بأن الغد في لبنان لدولة مدنية، لعله يغالي. فإذا استعدنا الحقب التاريخية للبنان منذ مرج دابق عام 1516 حتى هرج "حزب الله" ومرج إسرائيل منذ 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لا ضير في الاعتراف بأنه لولا طوائف لبنان، لما كان لبنان، لا الصغير ولا الكبير. فبعضٌ من موارنته أنشأه في فرنسا وسموها أمه الحنون، واستجاب بعض من سنّته ومشوا في مسيرة لبنان بجناحين، فيما كان الموحدون في الجبل متمسكين بأنهم أساس الـ"لبنان" منذ جدّهم المعني الكبير، وكان الشيعة يعتصمون بجبل عامل وينتظرون أن ترسو الطوائف المجاورة على برّ فيتركون عكا ويلتحقون بهم.
إن كان هذا هو التاريخ الذي نعرفه، ولو لأننا لا نتفق على تفاصيل يكمن فيها ألف شيطان وشيطان، فثمة تاريخ عشته منذ منتصف السبعينيات، وما زلت أعيشه، ولا ما يقنعني بغيره من خطب دعاة التعايش الأهلي المخضب بالدم.
ثمة حقيقة لا مناص من الاعتراف بها. أنا اللبناني لا أتّعظ. وإن كان علي أن أنظر إلى "لبنان غداً"، فعليّ أن أغادر "لبنان الأمس"، أن أعافه وأقتل أي ذكرى لي منه، وإلا أجرّ أذيال خيبته معي... "وكأنك يا أبو زيد ما غزيت". لهذا، عود على بدء: لا تغالوا في التفاؤل بلبنان مدني! فلا مدنيين في لبنان إلا قلة قليلة، لم تغلبْ يوماً كثرةً، ولن. ومنذ فجر لبنان الذي نعيش أسوأ نكباته اليوم، ما عرف اللبنانيون معنى الدولة خارج "دويلات" طوائفهم، ولكن تشفع لهم دائماً عودتهم الطوعية إلى "الدولة"، بصورة ما.
ليس في لبنان مدنيين، بل طائفيون تعسكروا لحماية طوائفهم. منذ الأزل، لازم المسيحيون، أغلبيتهم في أقل تقدير، النظام - أو الدولة كما سموه - فوضعت الأحزاب المسيحية الأرزة في راياتها، مقطعة عند الكتائب، ومثلثاً عند الأحرار ومسورة بالخط الأحمر عند "القوات اللبنانية"، واستظلت أجهزة النظام كلها حتى صارت يمينه، ولو لم تقصد أن تكون يميناً. وحين هزّ اليسار السياسي اللبناني، المتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية وسائر فصائل "المقاومة"، عرش المارونية السياسية، غادرت الـ "لبنان" إلى ما أريدَ أن يكون وطناً قومياً مسيحياً. وحين تبلورت ظاهرة الشيخ بشير الجميل، ترامى الوطن القومي المسيحي - الحلم على مساحة 10452 كلم2.
في المقابل، اكتفى السنّة بأنهم ثاني ثنائية صنعت الاستقلال وحكمت البلاد بحسب عرف سياسي لم يُحشر يوماً في الدستور، إنما طغى على كل بنود الدستور. ما وصل إلى رئاسة الحكومة في لبنان إلا أحد الوجوه المتحدرة من أهم بيوت السنّة... آل سلام والصلح وكرامي على سبيل المثال لا الحصر، أي ممن تدور زعاماتهم حول علاقاتهم بالجناح الماروني للـ"لبنان" المرسوم في دستور 1943. وحين أراد كمال جنبلاط أن يجبه "ذوات" السنة، أتى بإبرهيم قليلات من الشارع السني المغمور، وجعله رئيسا على "المرابطون" الذين شكّل الفلسطينيون أغلبية جيشهم، ونصباً بين أنصاب أخرى في معبد الحركة الوطنية. ورث وليد جنبلاط الحركة كلها بعد استشهاد المعلّم في 16 آذار (مارس) 1977، وحلّها عام 1982. وفي 16 نيسان (أبريل) 1985، أنهى الاشتراكيون الحالة الناصرية على الساحة السنّية إفساحاً في المجال أمام الحريرية السياسية. استطاع الشهيد رفيق الحريري فعلياً، للمرة الأولى، أن يكون الزعيم الأوحد لسنّة لبنان كلهم، فألزم زعامات سنّة بيروت كما سنّة الأطراف - طرابلس وصيدا وغيرها - بيوتهم، ورصّ صفوف السنّة وراء "دولة" الطائف... فكانت هذه أول حقبة فعلية شبه مدنية - غير عسكرية - في البلاد بعد حروب طاحنة... وحين استشهد الحريري في 14 شباط (فبراير) 2005، عاد السنّة إلى دولة 1943 طوعاً، فهمّهم هو "الدولة"، بمعنى النظام العام.
كان ثلث الموحدين تقريباً - أي من ذهبوا مذهب أمير الاستقلال مجيد أرسلان الذي كسروا تمثاله في خلدة قبل أيام - يجاهرون بأنهم مع "الدولة"، فأميرهم أحد صناعها. وحين اندلعت "ثورة 1958"، غادر كثيرٌ من هذا الثلث "دار خلدة" إلى "دار المختارة"، أي تركوا "دولة" صنعها عطوفة الأمير إلى "دولة" يريد البك صناعتها، وفي الأمرين قاسم مشترك: أغلبية هؤلاء، وأولادهم، وأحفادهم اليوم، لا يعرفون معنى الدولة، وأن المقصود هو النظام، إلا بحدود علاقتهم العاطفية بما بناه الأمير مجيد أرسلان بصورته الخالدة راكعاً يقبّل العلم اللبناني في بشامون، وبما يريد الرفيق كمال بك بناءه باشتراكيته الإنسانية.
لاحقاً، شدد البرنامج المرحلي للإصلاح الذي قدمه كمال بك على أن المطلوب إصلاحه هو النظام، لا الدولة. في أي حال، روي أنه عام 1986، في ذروة حرب الجبل ومعارك سوق الغرب و"الإدارة المدنية"، كانت طريق بيروت - دمشق الدولية مقطوعة، فشقّ الاشتراكيون طريق "الكرامة". وذات يوم، كان وليد جنبلاط ماراً ببلدة على هذه الطريق، فوجد أحد أبنائها يبني ملحقاً بمنزله فوق شارعها العام، فاتنهره، وأنذره بوجوب هدم البناء المخالف. المهم هو التعبير الذي نُقل عن جنبلاط يومها: "شو مفكرين مش رح ترجع الدولة؟"، ومراده "النظام العام" طبعاً. ومهما كان المراد، كان جنبلاط حينها حاكماً على الجبل، منتصراً على "الانعزال والجيش الفئوي"، لكنه عرف في قرارة نفسه أن لا قيامة للبلاد إلا بـ"الدولة"، النظام طبعاً.
الشيعة أكثرنا اضطراباً في العلاقة بـ "الدولة". فهم تاريخياً فريسة طغيانين: إقطاع حوّلهم محرومين، ورماهم في براثن الفاقة، وأسكنهم بيوت الصفيح في أحزمة البؤس، حتى نقموا على "الدولة"، وتعصّب عسكرهم وأذاقهم حلاوة انتصارٍ ما في 25 أيار (مايو) 2000، فصادر قرارهم، وأقنعهم بأنه هو دولتهم التي تعدّ فرعاً من أصل إسلامي يمسك بتلابيبه ولي فقيه في إيران، بديلاً من "الدولة" التي رمتهم في قاعها فنقموا عليها، وعليهم "الوفاء للمقاومة" دائماً، في كل استحقاق يطلب منهم اختيار ممثليهم في "الدولة"، أي في النظام. وهكذا، ساروا من سيئ إلى أسوأ، حتى وصل بهم الأمر إلى خراب ما بعده خراب. ربما يكون إصلاح ما بينهم وبين الدولة التي هم أحد أركانها عسراً ما بعد عسر، خصوصاً حين تسمع "دولة" رئيس البرلمان نبيه بري، أحد الثنائي الشيعي، يتهم "دولة" لبنان بالتقصير في الاعتناء بالنازحين الشيعة.
أي لبنان غداً؟ ربما يكون الأجدى أن نسأل: أي لبنانيين غداً؟ إنّا لا نغيّر ما بالـ "لبنان" حتى نغيّر ما بأنفسنا، فنعود إلى "كنف" الدولة اللبنانية، ولا نعود إلى تقاسم "كنافة" الدولة اللبنانية. فهيّا بنا نبدأ بأولادنا، لأنني أنا عصيّ على التغيير. وأنت أيضا.
الأكثر قراءة
النهار تتحقق
3/4/2026 1:43:00 PM
رغم ان العنوان الذي تنشره احدى الصفحات في الفايسبوك مغر، فإنه من الضروري التحذير منه.
ايران
3/3/2026 11:01:00 PM
أنباء عن تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران عبر اجتماع عُقد "أونلاين" بانتظار تأكيد رسمي
لبنان
3/4/2026 4:10:00 AM
وزارة الصحة اللبنانية: 6 شهداء و8 جرحى إثر الاعتداء الإسرائيلي على عرمون والسعديات في جبل لبنان
لبنان
3/4/2026 2:48:00 PM
"حزب الله" ينشر مشاهد من عمليّة استهداف قاعدة ميرون شمال فلسطين وقاعدة نفح في الجولان السوري
نبض