ترامب يبحث عن مقاربات جيوبوليتيكية جديدة

مقالات 27-01-2025 | 09:26

ترامب يبحث عن مقاربات جيوبوليتيكية جديدة

مقربون من الرئيس الأميركي العائد الى البيت الأبيض بعد غياب أربع سنوات؛ يتعاملون بجدية مع مقترحات ترامب، ويرون أن أسباباً جيوسياسية وجيواقتصادية وجيوأمنية تبرِّر الأطروحات الجديدة، لا سيما بالنسبة إلى جزيرة غرينلاند الشاسعة. 
ترامب يبحث عن مقاربات جيوبوليتيكية جديدة
جزيرة غرينلاند
Smaller Bigger


 تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مقاربته الجديدة بطلب ضمّ كندا وأجزاء من المكسيك وبنما وجزيرة غرينلاند الدانماركية، قابلتها حزمة من ردود الفعل في البلدان المعنية، وعلى المستوى الأوروبي وفي العالم. فالظاهرة غريبة عن ركائز السياسة الدولية المُعاصرة، رغم أنها كانت شبه طبيعية في القرون الغابرة، وما حصل بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا القيصرية عام 1867 يمكن اعتباره مثالاً على تلك الظاهرة القديمة، إذ اشترت واشنطن من موسكو ولاية آلاسكا الشمالية بمبلغ 7,2 ملايين دولار وضمَّتها الى الاتحاد الفيديرالي ولاية جديدة.
يمكن اعتبار تصريحات ترامب حول المناطق الشمالية المكسيكية وبنما، وعلى درجة أقل حول ضمّ كندا، من باب التهويل السياسي والاقتصادي على الجيران القريبين للدولة العظمى. لكن كلامه عن جزيرة غرينلاند فيه شيء من الجدِّية، وقد يكون من ضمن جدول أعمال الآجندة الترامبية خلال الفترة القادمة، ذلك أن الجزيرة التي تزيد مساحتها عن 2,66 مليون كلم مربع، تقع على مقربة من آلاسكا، ولا تفصلها سوى كيلومترات قليلة عن الحدود الكندية، بينما المسافة التي تبعدها عن الدانمارك التي لها سيادة قديمة عليها بعيدة جداً، وكوبنهاغن لا تحتاجها استراتيجياً اليوم (كما يقول المقربون من ترامب)، لأنها لم تعُد دولة استعمارية، وليست لها طموحات عالمية.
جزيرة غرينلاند (وهي أكبر جزر العالم)، تتألف من هِضاب وسهول عليها جليد وثلوج طوال فصول العام، بإستثناء ما لا يزيد عن 16 في المئة من مساحتها تتكشَّف فيها اليابسة، وهذه المساحات غير الجليدية بدأت تتوسَّع في السنوات الأخيرة، مع تنامي ذوبان الجليد في جزء من أراضيها. الجزيرة واقعياً من ضمن جغرافيا القارة الأميركية، ولكنها تتبع إدارياً لدولة الدانمارك العضو في الاتحاد الأوروبي، وينتمي سكانها الـ57 ألفاً الى الثقافة الأوروبية، وهي تعتبر سيادياً من ضمن الاتحاد الأوروبي، وتتمسَّك دول أوروبية أساسية بهذا التوصيف - لا سيما منها فرنسا – حيث لذلك أبعاد ميثولوجية قديمة، رغم التحالف الذي يربط بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، خصوصاً في مجال الأمن والدفاع في إطار حلف شمال الأطلسي.
مقربون من الرئيس الأميركي العائد الى البيت الأبيض بعد غياب أربع سنوات، يتعاملون بجدية مع مقترحات ترامب، ويرون أن أسباباً جيوسياسية وجيواقتصادية وجيوأمنية تبرِّر الأطروحات الجديدة، خصوصاً بالنسبة إلى جزيرة غرينلاند الشاسعة. فالدانمارك لا تحتاجها من الناحية الاقتصادية، وهي تساعد سكانها في معيشتهم، وليس لكوبنهاغن امكاناً للاستثمار في الجزيرة، نظراً إلى محدودية قدراتها، وكونها بعيدة جغرافياً عن البلاد، وفيها صعوبات كبيرة لا تجذُب المستثمرين، بسبب المناخ القطبي البالغ البرودة. بينما الولايات المتحدة الأميركية التي تملك قاعدة عسكرية على أرض الجزيرة، قادرة على تحسين ظروف معيشة سكانها، ولديها الإمكانات الكبيرة التي يمكن من خلالها توفير دور مهم للجزيرة، خصوصاً في سياق الصراع العسكري البارد والجيوسياسي الحامي مع روسيا. وإبقاء الجزيرة في حالة من الهجر والفراغ، قد يؤدي الى استخدام فضائها الشاسع لعبور المُسيّرات العملاقة والصواريخ الباليستية الى القارة الجديدة.
 المتابعون عن كثب لمرامي الطموحات الترامبية لا يكتفون بالتبريرات المُعلنة حول الحاجة لضمّ الجزيرة الى الولايات المتحدة الأميركية، ويرون أن خلف هذا التوجُه مصالح مالية واقتصادية كبيرة، وهناك دراسات تؤكد وجود مخزونات تجارية من المواد الخام الاستراتيجية في باطن أرض الجزيرة، خصوصاً من النفط والغاز الطبيعي وبعض المعادن الثمينة. والرئيس ترامب يبحث باستمرار عن وسائل تحقيق ربحية، كما أنه يفكِّر بقلق في ما يمكن أن تؤول اليه المديونية الأميركية المتنامية، والتي قد تُشكل خطراً على الاقتصاد الأميركي برمته، والمقاربات التوسعية الجيو اقتصادية، قد تساعده في إيجاد موارد جديدة، تُكبِّر حجم الاقتصاد، وتخفي مظاهر العجز في موازنة الدولة المركزية.
والاعتبارات الشخصية ليست بعيدة عن المقاربات التوسيعية الترامبية، فللرجل أهواء تدفعه باتجاه تحقيق مكانة ملحوظة بين أقرانه من الرؤساء الـ 46 السابقين، خصوصاً لكونه الوحيد الذي عاد الى تزعُّم البلاد لولاية ثانية بعد انقطاع 4 سنوات، منذ 132عاماً عندما أُعيد انتخاب الرئيس غروفر كيفلاند بعد استراحة ولاية رئاسية عام 1893. ولا يُخفى على المراقبين بحث ترامب عن انتاج مشاهد مُبهرة في سياق ممارسته الحكم، وقد توضَّحت هذه الرؤى في ولايته السابقة، فعلى سبيل المثال صدم العالم بقراره الاجتماع بعدوه اللدود رئيس كوريا الشمالية كيم جون أون عام 2018.
وعلى عكس ما قد يكون عليه الوضع حول بنما والمكسيك وكندا، تبدو الخطوات نحو ضمَّ جزيرة غرينلاند الى الولايات المتحدة الأميركية جديَّة، والرئيس ترامب عرض على الدانمارك شراءها، مكرراً الطلب الذي كان قد تقدّم به عام 2017، أو أنه سيلجأ الى ضمّها بالقوة رغم العقبات الكبيرة التي قد تواجهه في هذا السياق، وأهمها اعتراض حلفائه الأوروبيين، بينما ستخلق عملية تغيير الحدود الدولية إشكاليات كبيرة، قد تستفيد منها روسيا في محاولاتها تغيير حدودها مع أوكرانيا. وقد تعترض الصين في مجلس الأمن على أي تغيير على الحدود الدولية، خوفاً من حصول ما يُشبه ذلك في بحر الصين الجنوبي وتايوان.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية