.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
طالما كان وجهُ أمين معلوف وجهَ بحَّارٍ رحَّالة "ابن سبيل، وطنه القافلة وحياته أقلّ الرحلات توقّعاً. تسمع من فمه الكثير من اللغات وكلّ الصلوات ملك يديه" (ليون الأفريقي)، أقرضهُ الديَّان عقوداً بدَّدها في الأسفار، فعاش الحكمة في عواصم شتَّى، ورأى ما رأى من إرهاصات التحوُّلات. حملته المراكبُ إلى أعالي البحار، وأفكاره إلى عالَمٍ تتلألأ فيه أنوار الحضارات كلّها. في كتابه "غرق الحضارات" (غراسيه)، يستحضر معلوف، مدفوعاً بأسئلة مغمورةٍ بكلِّ التقمُّصات التي خبرها كاتباً متعدِّد الوجوه، فراديسه الأولى بعوالمها وأحلامها وآفاقها الإنسانيَّة البديعة، وكانت ملموسة حاضرة في الحياة، وإذ بها في الزمن عابرة هشَّة مندثرة.
ها هو معلوف الآن فوق كاهله سبعون، بعدما استشعر لسنواتٍ، بإحساسٍ يسدِّده العقلُ وتُلهمُه البصيرةُ، "اختلالَ العالَم"، يتأمّل بانذهال المآلات المتشابكة المريعة التي اتّجه صوبها عالمُنا المعاصر بعيداً من الآفاق الواسعة المعهودة، بكلِّ الإمكانات التي لامسها وعاينها ودائماً كانت على وشك أن تكون العالمَ الإنسانيّ الفسيح. ها هو على يقينٍ من أنَّ المركبَ الكبير حامل الكلّ، ماضٍ برعونةٍ عشواء، بعد سماع طقطقة الحطام، إلى الغرق.
كلّ ما كان الشغف يُشعله من تلك الفراديس الأولى في القلب والرؤى والطّموحات، تبدَّى عن اتّجاهات عكسيَّة مغايرة مناقِضة لما كان وكان يمكن أن يكون شأناً آخر على الاطلاق. يستعيد معلوف من تلك الفراديس ما هذَّب روحه بإنسانيَّةٍ راقية، وما ضاددها على الدوام من جنوح العالم نحو البربريَّة في العصر الذي امتلك الإنسانُ فيه كلّ ما يمكِّنه من المضيّ قـدُماً نحو تحقيق الأفـضل، لكنَّ الذي حدث ويحدث هو العكس على التَّمام (طالما تردَّدت هذه العبارة الأخيرة في الكتاب). هكذا، تصخَب الأمواجُ في ثنايا الكتاب ما بين أسربة الآفاق الصافية وجَلجلة الرّعود وصُولًا إلى الوقائع الصّلبة المبرِّحة الشاهقة كجبل جليديّ تتناثر من حوله شظايا الحضارات. يقـرّ معلوف بمشاعر الحنين إلى طفولةٍ عاشها في مصر حتى سنته الثامنة، وكانت والدته قد انتقلتْ إليها بعد شهر من ولادته في بيروت انسجاماً مع وضع عائليّ. هذه العودة إلى لمحات من سيرته تُستخدم عبر الكتاب كمؤثرات عميقة في حياته من حيث كونها مشاهدات عيانيَّة لواقعاتٍ وأحداثٍ كان لها في عصرنا، على فترات قريبة أو متباعِدة، تبِعات وتداعيات بالغة الدلائل على ما يراه ويتوجَّسه من رؤية حال العالَم ومساره في حالتَيه المتناقضتَين. الأولى: تصاعد هائل في التقدُّم التكنولوجي والعلوم والقدُرات في شتَّى المجالات، مقابل الثانية: تزايد ظواهر الوهَن والتهافُت في فكرة "الحضارة الإنسانيَّة" وإمكانات الانسجام بين وجوهها، وتفاقم حدَّة العصبيَّات "الهويَّاتيَّة" والانفكاك عن الآخَر، والتفريغ المعنوي لمصطلحات المرجع الأخلاقي، واستشراء واقع اللامساواة، والعديد من العوامل المؤشّرة على "انحرافٍ" مُقلِق ومخيف في سيرورة الأمم.
كانت بلاد النيل مكاناً سمحاً لجالياتٍ ناشطة وفَّـرت بيئات "كوزموبوليتية" وأجواء تفاعلت فيها الحياة في مجالات الأعمال والتجارة والأدب والفـنّ والثقافة قبل تفاقم التوتّرات بعد النكبة واغتيال حسن البنّا (12 شباط 1949 قبل ولادة معلوف بأسبوعين). ثمَّ لاحقا تعاظُم الخلافات مع قوات الاحتلال الانكليزي واندلاع الحرائق في القاهرة (26 ك2 1952)، وصولًا إلى ثورة "23 يوليو" ضدّ الحكم الملكي، وما جرى تباعاً بعد ذلك من مصادرات وتأميمات وإجراءات كان منها ترحيل العدد الكبير من الجاليات المتنوّعة، وتضييق الخناق حول كثير من منافذ الحرّيَّات، وتصاعد سطوة الزعيم خصوصاً بعد قرار تأميم شركة قناة السويس، وتعاظم المدّ القوميّ "ضدّ الاستعمار".
غادرت العائلة دارها في هليوبوليس تحت وطأة ظروف ضاغطة، وقد ابتاعها منها ضابط مصري. كان هذا بمثابة "خمود شعلة فردوس عائليّ" يذكره معلوف بتعابير مشحونة بنوستالجيا طاغية. شيئا فشيئاً يعي "الولدُ"- في بيتٍ يتميَّز بحضور ثقافيّ- مسوّغاتٍ متعلّقةٍ بحركة "التحرُّر العربي"، وتوق الشعوب إلى الحرّيّة، وهي الأجواء التي واكبت العودة إلى بيروت والاستقرار فيها حتَّى العام 1976.
كتب والد معلوف مقالات في معارضة الوحدة بين سوريا ومصر آنذاك. وكان منها ما هو سديد بدلالة انهيارها بعد ذلك. وكانت بيروت عاصمة ثقافية للشرق العربي، ولبنان مثل "آغورا" تتلاقى فيه الأقليات وتتعايش وفق توازنات هشَّة وسط تـنوُّع الأديان والثقافات "المتجاورة" بروحٍ ميثاقية هي أشبه بحكمةٍ غريزيَّة أكثر ممَّا هي مذهب موثَّق. "المرحلة البيروتية" (المعلوفيَّة) شهدت تدرُّجاً في التعليم وتأهلًّا جامعيا قبل الشروع في العمل الصحافي (جريدة النهار). كان زمناً عاصفاً بالحماسة الجماهيرية للقائد (عبد الناصر)، والقوى المناهضة له (حلف بغداد)، والأزمات الناشبة المتلاحقة حتى استدراج "الزعيم" إلى المجابهة العسكريَّة والهــزيمة في الخامس من حزيران التي تنوَّعت تسمياتها في ما بعد. وما تبعها من بروز العمل الفدائي وانعكاساته في بنية البلد خصوصاً بعد عقد "اتفاق القاهرة"، وقيام إسرائيل بالاعتداءات وبعمليات اغتيال في قلب العاصمة، ونزوع الكثير من الأحزاب اللبنانية وغيرها إلى التسلح الميليشيوي، وصولا إلى الحرب الأهليَّة من العام 1975.