12-06-2019 | 20:20
أرشيف "النهار" - هل من خطة لمواجهة سقوط السلام؟
نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه سركيس نعوم في "النهار" بتاريخ 22 شباط 1995، حمل عنوان "هل من خطة لمواجهة سقوط السلام؟".
أرشيف "النهار" - هل من خطة لمواجهة سقوط السلام؟
Smaller Bigger

هل من خطة لمواجهة سقوط السلام؟ التصعيد العسكري الواسع الذي يشهده الجنوب واطرافه ترده اسرائيل، استنادا الى تصريحات عدد من مسؤوليها الحكوميين، الى تمادي التيارات الاسلامية الاصولية بقيادة عمودها الفقري "حزب الله" في اعمالها "الارهابية" ضد جيشها الذي يحتل اراضي لبنانية وكذلك ضد "جيش لبنان الجنوبي" المتعاون معها. وترده ايضا الى عدم وجود قرار لبناني مستقل عن الارادة السورية بالمضي قدما في العملية السلمية على رغم تعثر هذه العملية على المسار السوري - الاسرائيلي. وغياب هذا القرار يعود في رأيها الى عدم توافر قدرة عسكرية لبنانية على وقف الاعمال المذكورة بسبب الوجود العسكري السوري في لبنان فضلا عن النفوذ السوري المباشر وغير المباشر. وهو سيبقى غائبا طالما استمر التعثر في المفاوضات السورية - الاسرائيلية. ذلك ان دمشق تحرص على عدم التخلي عن الورقة اللبنانية في هذه المفاوضات التي باتت وحيدة في يدها. ويعني ذلك ان الساحة اللبنانية، وتحديدا الجنوبية منها، سيستمر استعمالها من قبل السوريين للضغط على اسرائيل لكي تخفف تصلبها وتشددها وفي الوقت نفسه للتخفيف من ضغطها عليها. الا ان اوساطا سياسية وديبلوماسية عربية تعتقد ان للتصعيد الخطير المشار اليه سببا اعمق وابعد من السبب الذي تورده اسرائيل. فالتعثر الذي اصاب المفاوضات بين دمشق وتل ابيب، مضافا اليه التعثر الذي اصاب ولا يزال يصيب المفاوضات بين اسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية على رغم اتفاق اوسلو الموقع بينهما والتردي في العلاقة بين مصر واسرائيل بسبب اختلاف موقف كل منهما من التوقيع على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية، التعثر هذا لا بد ان يعبر عن نفسه بانفجار عسكري معين. وبما ان الحرب الشاملة العربية - الاسرائيلية وتحديدا السورية - الاسرائيلية ممنوعة ولامصلحة لاطرافها في نشوبها فان التعبير المشار اليه اعلاه لا بد ان يتم في الساحة العربية الاكثر ضعفا. ولبنان هو المراد له ان يكون هذه الساحة على رغم التقدم الكبير الذي حقق منذ انتهاء الحرب الاهلية فيه وكذلك حروب الاخرين على ارضه بواسطة "شعوبه" قبل سنوات. كيف يمكن تلافي الانعكاسات السلبية لتعثر العملية السلمية على الوضع اللبناني؟ المصادر الديبلوماسية العربية مقتنعة بان اهم انعكاس سلبي يمكن ان يشهده لبنان هو تصدع "السلم الاهلي" فيه الذي قام قبل سنوات قليلة بعد وضع البرلمانيين اللبنانيين اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية وبعد مباشرة تطبيقه. وبذور هذا التصدع موجودة في التربة اللبنانية مثل النار التي تحت الرماد كما يقال. ويعود وجودها الى جملة عوامل، منها المداخلات الخارجية، وكذلك استمرار اغلبية المسيحيين اللبنانيين في النظر الى لبنان الجديد بتركيبته المعروفة وتوازناته غير المتوازنة بخوف وحذر وتحفظ . ويعود ايضاً الى تفاقم المذهبية والطائفية في البلد، الامر الذي جعله مفككا ضمنا على رغم الوحدة الشكلية التي يتغنى بها الرسميون وحلفاؤهم. ويعود اخيرا الى الاوضاع الصعبة التي يعيشها الناس بسبب ظروف المعيشة والفساد المستشري في معظم الاوساط من سياسية وادارية وما الى ذلك. واذا كان هذا التصدع لم يحصل حتى الآن، تقول المصادر الديبلوماسية العربية نفسها، فلان سوريا موجودة في لبنان عسكريا وموجودة فيه سياسيا على نحو غير مباشر من خلال حلفائها سواء الذين منهم في السلطة او خارجها. فهي التي ضمنت وتضمن "السلم الاهلي" القائم وهي التي تحول دون تحول اي حادث سياسي او امني مشروع حرب جديدة في لبنان. والعلاقة الثنائية التي قامت بينها وبين لبنان هي التي تشكل صمام الامان في وجه اي مشروع فتنة. والامثال على ذلك اكثر من ان تحصى. لكن احدا لا يستطيع ان يضمن نجاحا دائما لسوريا في هذه المهمة الا اذا حصل امران اساسيان مترابطان ومتكاملان، اولهما قيام بيروت ودمشق باجراء تقويم فعلي ودقيق للوضع اللبناني الداخلي وللعلاقة اللبنانية - السورية بحيث يؤدي ذلك الى تفاهم على تكريس ايجابيات العلاقة الثنائية التي قامت بينهما بعد الحرب وهي كثيرة وعلى ازالة السلبيات وهي كثيرة ايضا. والنجاح في هذا الامر لا يمكن ان يتحقق اذا كان اللبنانيون يعتبرون ان هذه العلاقة بمضمونها وبشكلها قد فرضت عليهم لاعتبارات عدة معروفة وانها موقتة وان التطورات التي قد تحصل في المنطقة من شأنها اراحتهم من عبئها على كل صعيد. والنجاح نفسه لا يمكن ان يتحقق ايضا اذا كان السوريون يعتبرون ان علاقتهم الحالية مع لبنان مثالية وخالية من الشوائب ومن التعثرات ومن انعدام التوازن. اما ثاني الامرين فهو قيام بيروت ودمشق باجراء تقويم جدي وفعلي لعملية السلام في الشرق الاوسط في ضوء التطورات السلبية التي تشهد منذ اشهر. ومعروف ان هذه العملية متعثرة حاليا ولا شيء يمنع سقوطها وانتهاءها. وهو ايضا مبادرتهما الى وضع سيناريو او خطة لمواجهة هذين السقوط او الانتهاء. ذلك انه في ظل استحالة الحروب الكبيرة لا بد ان تنفتح جبهات صغيرة في نظر العالم لكنها ستكون كبيرة جدا في نظر الذين سيكونون ادواتها والذين سيتأذى بلدهم من فتحها وكذلك شعوبهم. والقيام بهذا الامر ضروري جدا تحسبا للمستقبل غير البعيد ربما ولاحتمالاته الصعبة والخطرة. هل يفعل المسؤولون اللبنانيون والسوريون ذلك؟ نظريا لا شيء يمنعهم من ذلك. لا بل ان واجبهم ومسؤوليتهم يحتمان عليهم القيام بكل ما من شأنه منع تصدع السلم الاهلي في لبنان او بالاحرى تعزيزه وكذلك بكل ما من شأنه منع الاذى عن سوريا. وتحقيق ذلك يقتضي لبنانيا اقتناعا عميقا بالعلاقة المميزة مع سوريا مع تمسك كامل بالمقومات الوطنية واهمها على الاطلاق السيادة والاستقلال والحرية. وهذا الاقتناع يجب ان يتوافر اولا عند لبنان الرسمي. ويقتضي في الوقت نفسه اقتناعا سوريا عميقا بان لبنان المستقل والسيد والحر والمتوازن هو في مصلحتها وبان الممارسات التي يشهدها لبنان حاليا من سوريين ومن لبنانيين لا تعكس وجود اقتناع من هذا النوع. سركيس نعوم