.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الاوساط السياسية المعارضة سواء من خارج النظام المنبثق من اتفاق الطائف او من داخله، لا تزال تتساءل، على رغم انقضاء اكثر من اسبوع على تأليف الحكومة الحريرية الثانية، عن المبررات التي دفعت المعنيين والقادرين في آن واحد - وهم قطعا غير لبنانيين - الى اعطاء ضوء اخضر لعودة الرئيس رفيق الحريري الى الحكم والى اطلاق يده في تأليف الحكومة الجديدة وكذلك الى استمرار حرمان عدد من التيارات السياسية التمثيل الحكومي. وعلى هذا التساؤل ترد مصادر سياسية مطلعة فتقول ان الاسباب التي حالت دون تمثيل تيارات سياسية مسيحية معينة هي نفسها التي حالت دون تمثيلها في الحكومة السابقة. فهذه التيارات ضد النظام المنبثق من اتفاق الطائف ومع تغييره. والشخصيات المنتمية اليها في صورة غير رسمية والراغبة في تولي مسؤولية حكومية لم تحسم موقفها النهائي من الوضع السياسي الراهن ولا خياراتها السياسية. فهي تدعو الى الحوار والتفاهم والاعتدال. لكنها ترفض في المقابل التخلي عن سياسات سابقة. ومن شأن ذلك تحويلها الغاما في الحكومة في حال توزيرها. وهذا ما لا يستطيع النظام اللبناني القائم قبوله وكذلك سوريا راعيته وراعية مسيرة السلم الاهلي في البلد. ذلك أن انفجار هذه الالغام لا بد ان يلحق ابلغ الضرر وافدحه بلبنان وبسوريا. وهذا ما لا تستطيع الدولتان تحمّله خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة من التفاوض مع اسرائيل. اما بالنسبة الى عودة الحريري الى الحكم واطلاق يده في عملية تأليف الحكومة فان المصادر السياسية المطلعة نفسها تقول انهما مبرران لا بل ضروريان. ذلك ان وجود الحريري على رأس الحكومة الجديدة كان ضروريا لأنه لا يزال حاجة لبنانية وسورية ولأنه لا يزال الوحيد القادر على معالجة الوضع النقدي والاقتصادي وان بالحد الادنى. ولأن هذه المعالجة ضرورية للبنان ولسوريا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة. واخراج عدد من الوزراء "المشاكسين" للحريري اولاً وللهراوي ثانيا من الحكومة كان ضروريا لسبب اساسي هو التعويض على رئيسي الجمهورية والحكومة بعد خسارتهما معركة التعديل الدستوري المتعلق بانتخاب الرئاسة الاولى في ايار. ومن باب التعويض هذا جاءت الموافقة على تعزيز الحريري والهراوي مواقعهما في الحكومة الجديدة. علما ان من شأن ذلك تحقيق انسجام في الحكومة يمكنها من الانتاج او على الاقل يمنعها من الانفراط او من التفجر من داخل كما حصل للحكومة السابقة. على ماذا تدل الحكومة الجديدة؟ تدل، على حد قول المصادر السياسية، على الآتي: 1- قدسية الحلف القائم منذ مدة طويلة بين الرئيس الحريري والزعيم الدرزي الابرز وليد جنبلاط. ومن شأن ذلك تقوية مواقعهما في الاستحقاقات السياسية المقبلة وفي مقدمها انتخاب رئاسة الجمهورية خريف العام الجاري والانتخابات النيابية صيف السنة المقبلة. 2- ترسخ الحلف بين الرئيسين الحريري والهراوي الذي اهتز كثيرا وتعرض للسقوط قبل زهاء سنتين. 3- عودة حد ادنى من الانسجام الى الترويكا الرئاسية التي تضم الرؤساء الهراوي وبري والحريري. وكان ذلك مطلبا سوريا. لكنه ايضا حظي بقبول اعضائها اذ ان كلا منهم نال حصة مهمة في الحكومة الجديدة. ومن شأن هذا الانسجام، اذا لم يحصل طارىء، تسهيل امور الاستحقاقات السياسية المقبلة. 4- امكان نجاح الحكومة في مجال الخدمات على رغم "انتقاليتها". ذلك انه يفترض ان تستقيل فور انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية. ويعود ذلك الى كون حقائب الخدمات في يد جماعة رئيس الحكومة وعدد من حلفائه. 5- احتمال ان تكون الحكومة الجديدة حكومة تمديد ولاية الرئيس الهراوي، طبعا اذا كانت الظروف الخارجية ملائمة ولاسيما السورية منها. ويعزز هذا الاحتمال خروج المشاكسين منها الذين كانوا ضد التمديد ومع الخيار الرئاسي المواجه له. 5- التحضير للانتخابات النيابية المقبلة ولاسيما في محافظة بيروت، واشتراك كتلة "الانقاذ والتغيير" التي يرئسها الدكتور سليم الحص في الحكومة بوزيرين مؤشر مهم لذلك. ومعروف ان الاخبار السياسية المتداولة في البلد كانت ان الانتخابات البيروتية ستكون صعبة بسبب تنافس مرتقب لتيارين قويين يقود الحص اولهما ويقود الحريري الآخر. هل ستكون الحكومة منتجة؟ مبدئيا يفترض ان تكون كذلك. لكن المصادر السياسية الواسعة الاطلاع لا تبدو كثيرة التفاؤل على هذا الصعيد بسبب ضيق الوقت امام الحكومة وكذلك بسبب الاحتقان السياسي في البلد والخلافات التي لا يمكن تسويتها بسهولة وسرعة. وقد يكون من الافضل للحكومة، في رأيها، الاهتمام بامور ثلاثة ملحة. اولها التخفيف من اعباء الناس، ولاسيما ذوي الدخل المحدود، بواسطة اعادة النظر في الرسوم والضرائب وبواسطة فرض جباية الرسوم على الجميع بحيث لا يدفع بعض اللبنانيين ويمتنع البعض الآخر عن تسديد رسومه وضرائبه، بغض نظر رسمي او بعجز رسمي. واذا كانت سياسة الحكومة ورئيسها جعل لبنان جنة ضرائبية لتخفيف الضرائب وجذب الاستثمارات الاجنبية الى لبنان - وهذه سياسة واعية - فان تحوله جحيما ضرائبيا للاكثرية الساحقة من ابنائه كما هي الحال اليوم يهدد الجنة المذكورة على نحو جدي. وثانيها المحافظة على سعر صرف الليرة اللبنانية في مواجهة الدولار الاميركي والحرص على ان ينعكس ذلك انخفاضا لاسعار السلع وليس زيادة. وفي هذا المجال تدعو المصادر نفسها الى عدم جعل الليرة والدولار اداة في السياسة المحلية لان ذلك يؤدي الى الخراب. فضلا عن ان احدا لن يبقى في منأى عن استعماله بمن في ذلك مخترعوه. اما ثالثها فهو تأمين الخدمات للناس وفي مقدمها المياه والكهرباء. كيف سيكون وضع المعارضة للحكومة في الاشهر الستة المقبلة؟ لا شك في ان محاولات ستجرى لتجميع صفوف المعارضة، علما ان المقصود هنا المعارضة من داخل الطائف. لكن النجاح في ذلك ليس سهلا، اولاً لتباين اطرافها ولتناقضهم، وثانيا لأنه لا مصلحة للخارج المعني بلبنان في ذلك كونه راعي المعارضة والموالاة في آن واحد وكونه قادرا عندما يشاء على تكبير الاولى وتصغير الثانية، والعكس صحيح. وقد ظهر ذلك من الخروقات التي نجح الحريري في تحقيقها عند المعارضين. فالمعارضة الموضوعية والبناءة التي يمثلها الحص وكتلته النيابية صارت في الحكم. والرئيس عمر كرامي قال انه سينتظر الاشهر الستة ولن يكون متراسا لأحد. والآخرون تصرفوا على اساس انهم خسروا معركة ولكنهم لم يخسروا الحرب. طبعا على المعارضين، اذا كانوا ديموقراطيين فعلا ومؤمنين بالنظام البرلماني، ان يتكتلوا وان يراقبوا الحكومة وان يحاسبوها وان يمنعوها من ارتكاب الاخطاء وان يدفعوها الى الاستقالة اذا امعنت في ارتكابها. لكن عليهم في الوقت نفسه ان يكونوا جديين وان يبتعدوا عن الانفعال وعن الشخصانية وعن المصالح الصغيرة وعن الكلام الكبير الذي ظن اللبنانيون انه انتهى بنهاية الحروب، واسوأه على الاطلاق تخوين الآخرين. سركيس نعوم