555 مليون دولار تكلفة الكوارث الطبيعية في لبنان

15 أيار 2019 | 20:52

المصدر: "النهار"

مؤتمر "الحدّ من مخاطر الكوارث"( تصوير المكتب الاعلامي في الامم المتحدة).

لا يحتاج اثنان إلى الاختلاف حول حقيقة تغيّر المناخ في العالم، تلك الحقيقة العلمية الثابتة التي لا تترك مجالاً للشكّ نظراً للأدلة الدامغة على حدوثها، على الرغم من التجاهل المتعمّد الذي يبديه بعض رؤساء دول العالم، لغايات لن تضرّ إلا بالتنمية التي لن تدوم ما لم تؤخذ المخاطر الطبيعية بالحسبان.

تُشكّل الكوارث واقعاً متكرراً في عدد كبير من الدول، والعالم العربي ليس لديه المناعة الكافية لمواجهتها، حيث إن خطر العواصف والفيضانات والزلازل والتسونامي، والمخاطر المتزايدة الناجمة عن تغيّر المناخ بما في ذلك ارتفاع مستوى سطح البحر والجفاف لا تزال قائمة كما كان الحال دائماً، والمجتمعات المحلية تقف في الخط الأمامي لهذه المواجهة.

"على مدى الثلاثين عاماً الماضية، عانى نحو 70 مليون عربي من عواقب الكوارث في 330 حدثًا طبيعياً على الأقل، وفقدَ أكثر من 160 ألف شخص حياتهم"، يقول سوجي موهانتي، رئيس مكتب الأمم المتحدة للحدّ من الكوارث (UNIDDR)، مكتب الدول العربية.

يعتبر موهانتي أن الخسائر الاقتصادية في ارتفاع مستمر، وحساسية التعرّض للخطر من قِبل المجتمعات الهشّة في العالم العربي في ازدياد واضح، ولكن "نُدرة المياه الصالحة للشرب وسوء إدارتها تتربّع على رأس قائمة الهشاشة".

هذا ما قاله في حديث مع صحافيين لبنانيين على هامش مؤتمر "الحدّ من مخاطر الكوارث" بنسخته السادسة المنعقد في جنيف ما بين 15 و17 أيار 2019، في مركز المؤتمرات العالمية، من تنظيم الأمم المتحدة ـ مكتب الحدّ من الكوارث.

تاريخياً، لم يكن العالم العربي معرّضاً إلى حوادث طبيعية كارثية، لا سيما الزلازل المدمرة أو التسونامي، والتي هي واضحة المعالم في مناطق أخرى من العالم، ولكن الهشاشة الموجودة تُضعف المجتمعات العربية، الأمر الذي يعني أن أي خطر طبيعي قد يعرّضهم لأخطار كبيرة، إلا أن النزاعات والحروب، بحسب موهانتي، "هي المحرّك الأول لهشاشة المجتمعات في العالم العربي"، والتي تَظهر من خلال الهجرة المتزايدة للأفراد والمجموعات بحثاً عن الأمان بعيداً عن مقصلة الموت.

ومنذ تأسيسه في العام 2007، يقوم المكتب الإقليمي للدول العربية للحدّ من مخاطر الكوارث، على دعم الدول والمجتمعات العربية في بناء قدراتها على مجابهة الكوارث، بحيث يُقدّم التوجيهات والتدريبات للفرق العاملة في صناعة الخطط والاستراتيجيات الوطنية المرتبطة بإدارة الأزمات والتخفيف من تأثيرها، وليس فقط البحث في كيفية التحضير والاستجابة للكوارث. إلا أن العالم العربي لا يزال يفتقد إلى "البحث في عملية منع الأخطار المحتملة في المستقبل".

ويشير موهانتي إلى أن الدول العربية "تُنجز في الوقت الحالي استراتيجيات وطنية تسمح لها بدراسة المخاطر بطريقة علمية منظمة"، بحيث يرى أن "الاهتمام بدراسة المخاطر مرتبط بتطوّر البلاد على الصعيد الاقتصادي، ومن دون ذلك لا يوجد أي استدامة".

وقد اعتمدت 187 دولة مشارِكة في المؤتمر العالمي للأمم المتحدة الثالث، المعني بالحدّ من مخاطر الكوارث في سينداي، اليابان في العام 2015 "إطار سينداي" وإطار "العمل للحدّ من مخاطر الكوارث 2015-2030 اللذين تضمّنا التركيز على "البشر وصحتهم وسبل عيشهم".

وعلى مدى العقد الماضي، خلّفت الكوارث خسائر فادحة، وأسفرت عن مقتل أكثر من 700 ألف شخص، وإصابة 1.4 مليون آخرين، فيما شرّدت 23 مليون شخص. وبوجه عام، تضرر أكثر من 1.5 مليار نسمة بطريقة أو بأخرى من الكوارث والخسائر الاقتصادية العالمية التي تجاوزت 1.3 تريليون دولار، بحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في العام 2015.

555 مليون دولار تكلفة الكوارث الطبيعية في لبنان

في السنوات العشر الماضية، شهد لبنان كوارث طبيعية عدة، بدءاً من "الكريزة الزلزالية" التي سجّلتها مدينة صور في العام 2008 بلغت قوتها عبر "مركز بحنّس لرصد الزلازل" والتي تُعادل 700 هزة أرضية بقوة تراوح ما بين ٢.٧ و ٥.١ على مقياس ريختر، بالإضافة إلى انزلاقات الصخور الكلسية من "جبل الهيطة" على تُخوم بلدة كفرنبرخ ـ قضاء الشوف، بفعل العاصفة الثلجية التي ضربت لبنان في العام 2016، يُضاف إليها السيول التي اجتاحت المنازل والأراضي في منطقة رأس بعلبك في البقاع الشمالي في العام 2018، وانزلاقات التربة في شكا- شمال لبنان في العام 2019، عدا عن انزلاق الردميات الجوفية في فالق يمتد ضمن سهول بلدة الرام البقاعية في العام 2019 أيضاً، والذي أظهر هوّة تغور في أعماق الأرض إلى مسافة تزيد على 150 متراً، اكتشفها أحد المزارعين بالصدفة، على مسافة قريبة من فالق اليمونة الطولي، الممتدّ من المنقلب الشرقي لسلسلة جبال لبنان الغربية نحو مدينة بعلبك، بحسب تقارير صحفية.

هذه الحوادث الطبيعية المتكررة كانت موضع دراسات نفّذتها "الذراع العلمية" للدولة اللبنانية المتمثلة بـ "المجلس الوطني للبحوث العلمية" بالتعاون مع وزارة الزراعة، بحيث صنّف المجلس "حرائق الغابات وانزلاقات التربة والسيول" على رأس قائمة المخاطر التي تهدد لبنان، عدا عن المخاطر التي لا يمكن توقع حدوثها مثل الزلازل.

"330 مليون دولار هي تكلفة الفاتورة المالية التي تدفعها الدولة اللبنانية جراء الكوارث التي تُخلّفها السيول والفيضانات على القطاع الزراعي"، يقول الدكتور شادي عبد الله، باحث في المركز الوطني للاستشعار عن بعد، التابع لـ"المجلس الوطني للبحوث العلمية" في حديث مع "النهار". ويضيف عبد الله أن "تكاليف أخرى تبلغ 125 مليون دولار ناتجة عن حرائق الغابات المنتِجة كالصنوبر، بالإضافة إلى نحو 100 مليون دولار تكلفة انزلاقات التربة".

ويشير عبد الله إلى أنه لا يمكن أن نغضّ النظر عن المخاطر المحتملة مثل الهزّات الأرضية والتسونامي.

كيف تتعامل الدولة اللبنانية مع المخاطر الطبيعية؟

يُعتبر لبنان من أكثر الدول نشاطاً والتزاماً بتطبيق عدد من الاتفاقيات أهمها "إطار سينداي"، و"إتفاقية باريس للمناخ" وأهداف التنمية المستدامة، وأجندة الأمم المتحدة للعام 2030، وآخرها استراتيجية الدول العربية للحدّ من مخاطر الكوارث.

"ينظر لبنان اليوم إلى إدارة مخاطر الكوارث من زاوية جديدة"، يقول زاهي شاهين، مدير وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة مجلس الوزراء، في حديث مع "النهار". ويضيف أن "الهيئة العليا للإغاثة" يدخل في صلب مهامها "إدارة كافة أنواع الكوارث بكافة مراحلها، ولكن لم يدخل في عملها الأعمدة الأربعة التي تبدأ من الوقاية والاستعداد للكارثة والاستجابة ومن ثم التعافي". ويرى شاهين أن "كل دولار نستثمره في الاستعداد للكارثة يوفّر علينا 7 دولارات في عمليات الاستجابة".

كلام شاهين عن تكلفة إدارة الأزمات، يدلّ على أن "الاستثمار في الاستعداد هو أهمّ من انتظار حدوث الكارثة، بناء على قاعدة "build back better" بحسب "إطار سينداي"، وهو أهمّ من الاستجابة للكوارث بعد حدوثها".

وأخيراً، انتهى لبنان من وضع "الاستراتيجية الوطنية للحدّ من مخاطر الكوارث" في بداية العام 2019، والتي من المفترض أن تُعرَض في الأشهر المقبلة على الحكومة ليُصار لاحقاً إلى تبنيها من خلال مرسوم يصدر عنها، بحسب شاهين، من أجل وضع خطة عمل تطبيقية خاصة من قبل "اللجنة الوطنية التقنية للحدّ من مخاطر الكوارث" التي تضمّ أجهزة من جميع الوزارات المعنية، والتي ستكون "الخطوة الأولى باتجاه الحدّ من المخاطر المتكررة والمخاطر المستقبلية.

هل يوجد آلية رسمية للإنذار المبكر؟

ينفي شاهين وجود أي آلية لعمليات الإنذار المبكر، إلا أنه لا ينكر وجود إنذار مبكر لبعض المخاطر لا سيما العواصف والسيول والتسونامي، بحيث يوجد أكثر من جهة علمية قادرة على إصدار النشرة الجوية التي يمكن من خلالها استنباط المعلومات الأساسية للإنذارات المبكرة. ولكن يشير شاهين إلى أن الإنذار المبكر لا يُعتبر ناجحاً ما لم تتبعه سلسلة من الإجراءات التي تدخل في أولويتها خطة استجابة لكل حالة، وخلق آلية تواصل على المستوى الوطني مع عموم الناس.

ويؤكد لـ "النهار" أن هناك مشروعاً يتمّ تحضيره مع "مجلس الإنماء والإعمار" لتأسيس "المنصة الوطنية للإنذار المبكر" التي تجمع كافة الأطراف على آلية عمل واضحة، مع نهاية العام 2020 في حال تأمن التمويل اللازم.

من جهته، يقول الدكتور عبد الله إن "الدولة اللبنانية تلتزم جدياً بإطار "سينداي" من خلال وضع جميع الخرائط المرتبطة بالمخاطر الطبيعية للاستخدام العلمي، لتحديدها ومعرفة أماكن تكرار حدوثها. ويضيف أن المجلس الوطني للبحوث العلمية يقوم بتنفيذ دراسات متخصصة في مناطق معينة بناء على أحداث طبيعية معينة، وذلك للحدّ من هذه المخاطر.

فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard