الّلغة العربيّة بحاجة ماسّة إلى جرعة تحسينات
Smaller Bigger


“Bonjour, kifak, cava?”، هذه الجملة نسمعها كلّ يوم على لسان المواطن اللبناني الذي سيهدي نفسه الجنسيّتين الفرنسيّة والأميركيّة إذا أُعطي له ذلك. فالّلغة العربيّة، إحدى الّلغات الرّسمية الستّ المعتمدة في الأمم المتّحدة ويتقنها أكثر من 467 مليون نسمة تفقد أهمّيّتها داخل البلدان العربيّة عمومًا ولبنان خصوصًا. علامةَ عار ودلالة على جهل أصبحت الّلغة العربيّة في ذهن اللبناني. بالفعل، هذا الأخير يتكلّم اللّغتين الفرنسية والانكليزية في يومه العاديّ بدلاً من لغته الأم العربية. لكنّ المشكلة تتخطّى الحدود، إذ إنّ غالبيّة الأولاد والمراهقين والشباب اللّبنانيين لا يعرفون سوى بعض الكلمات العربيّة، كما أنّ أهلهم هم مشجّعوهم الأُول. هذا التحقيق سيعالج الأسباب الرّئيسية لتخطّي هذه الظاهرة - التي يمكن تصنيفها بالسّلبية - حدود المقبول. أبرز هذه الأسباب انتشار المدارس الفرنكوفونية والإنغلوفونية في لبنان وتأثيرها على ثقافة تلامذتها، والأسلوب المتّبع في المدارس والجامعات في تعليم الّلغة العربيّة، وثقافة الأهل التي تبعد الأولاد عن لغتهم الأمّ، وقلّة البرامج التثقيفيّة التربويّة التلفزيونيّة الخاصّة بالأولاد المعدّة بالّلغة العربيّة. أيضًا، سنقدّم بعض الحلول المعقولة للتخفيف من تفشّي هذه الظّاهرة.

"لبنان لا يستطيع أن ينسى تاريخه"

أعطى أستاذ التاريخ في مدرسة الفرير مون لا سال أنيس لحود صورة عن المناخين السياسي والتربوي اللذين كانا سائدين في لبنان في القرون الماضية. استهلّ لحود حديثه بالقول: "لبنان لا يستطيع أن ينسى تاريخه". وتابع كاشفًا عن المراحل التي أدّت للوصول إلى البرامج التربويّة المعتمدة في لبنان اليوم. حصلت الدول الأوروبيّة منذ القرن السادس عشر على امتيازات اقتصاديّة في لبنان من قِبَل السلطنة العثمانية لتتوسّع فتشمل الثقافة والسياسة. واعتبر أستاذ التاريخ أنّ هذا الأمر أدّى إلى تأسيس مدارس فرنسية في لبنان والجامعة اليسوعية من قِبَل الإرساليّات الفرنسيّة، التي منها الرهبنة الكبّوشيّة (عام 1626) واليسوعيّة (عام 1652) على سبيل المثال لا الحصر. وتدخل بعدها الإرساليّات الإنكليزية على الخط لتأسيس مدارس ثانويّة والجامعة الأميركية في بيروت عام 1860 .

وجوابًا عن سؤال حول واقع المدارس في لبنان والقطاع التعليمي قبل دخول الإرساليات الأجنبية قال لحود إنّ المدارس كانت دينيّة تنشر ديانتها وتعاليمها بالإضافة إلى تعليم اللّغات العربيّة والّلاتينية والسريانية لدى المسيحيين، إذ كان اللبناني بحاجة ماسّة للتطوّر الفكري في عالم العلوم ومواكبة التطوّر. وأضاف أنّ الهدف الرّئيسي للإرساليات على أرضنا كان التأثير على الشعب اللبناني عبر نشر الثقافتين والحضارتين الفرنسية والإنكليزية من خلال تدريس لغتيهما وإدخالهما في البرامج التعليميّة.

من جهة أخرى، تحدّث لحود عن بعض النقاط الإيجابية التي عملت عليها هذه المدارس والجامعات الأجنبية، وهي نشر العلوم ومحاولة الحفاظ على القوميّة العربية عبر التدريس باللغة العربية. ولكن طرأت مشكلتا عدم توفّر أساتذة اللّغة العربية والكتب العربيّة، الأمر الذي أدّى إلى اعتماد لغة الإرساليات في التعليم. ختم بقوله إنّنا كلبنانيين تقبّلنا فكرة هذه المدارس والمناهج التعليمية بسبب تأثّرنا بالعولمة وتطلّعنا إلى بلدان الخارج وتفضيل الحضارات الأوروبية، لتصبح جزءًا لا يتجزّأ من مناهجنا التعليمية وشهاداتنا الرسميّة اليوم.

المدارس الخاصّة أمام تحدٍّ كبير

في حديثٍ مع أمين عام المدارس الكاثوليكية في لبنان الأب بطرس عازار، كون المدارس الكاثوليكية تمثّل غالبية المدارس الخاصّة، عرض أبرز التحدّيّات في ما يخصّ الّلغة العربية التي تواجهها المدارس في لبنان. ركّز عازار بشكلٍ أساسيّ على العربية كلغة، فاعتبر أنّها تواجه مشكلتين رئيسيّتين: الأولى هي عدم مواكبتها التطوّر العلمي والتكنولوجي، الأمر الذي أدّى للّجوء إلى لغات أجنبية لتعليم مقرّرات العلوم؛ والثانية تتمثّل بمشاكل سياسية عربية تمنع إعادة النظر في الّلغة وتعزيزها عبر إنشاء مجامع أدبيّة، وهذا ما يفاقم المشكلة الأولى.

جوابًا عن السؤال حول سبب ابتعاد التلاميذ عن الّلغة العربيّة، وجّه عازار جزءًا من الّلوم على السياسيين الذين لا يتقنون الّلغة العربيّة جيّدًا فيؤثّرون سلبًا على المراهقين والشباب. أمّا في ما يخصّ إمكانيّة إلغاء الشهادة الرسمية الفرنسيّة وإلزام تقديم الشهادة الرسمية اللبنانية على جميع تلاميذ المدارس الخاصة، فقد نفى عازار ذلك وقال إنّهم ملتزمون قرارات الدّولة اللبنانية التي تعفي مَن يحمل جنسيّة أجنبيّة من الشهادة اللبنانية والموقّعة على اتّفاقات مع الدّولة الفرنسيّة (مع العلم أنّ جميع مواد البرنامج الفرنسي معطاة بالّلغة الفرنسية والّلغة العربيّة هي ثانويّة).

وعن كيفيّة تعامل إدارات المدارس الكاثوليكية مع الّلغة العربيّة، كشف عازار عن أنّ في السابق كان بعض المدراء والأساتذة يعاقبون التلاميذ الذين يتكلّمون الّلغة العربيّة في الصّف أو خلال الاستراحات، لكن هذه الظاهرة لم تعد موجودة اليوم. كما اعتبر أنّ العديد من المدارس تترك الحرّيّة للتلميذ في اختيار الّلغة التي يريد التكلّم بها، مضيفًا أنّ إدارات المدارس تستخدم لغة أجنبية عند إرسال رسالة للأهالي، إمّا بسبب حبّ الـ"prestige" أو عدم إتقان الّلغة العربية. وقال إنّ المدارس الكاثوليكية حريصة على الّلغة العربيّة لكنّها تميل نحو العولمة ومواكبة التطوّر.

من جهة أخرى، تطرّق مسؤول قسم الصّفوف المتوسّطة والأستاذ في الّلغة العربيّة في مدرسة الفرير مون لا سال جورج غنيمة إلى ظاهرة الـ"dispenses" الموجودة في المدارس الخاصّة. فالتّلاميذ الحاملون جنسيّة أجنبيّة يحقّ لهم بعدم تعلّم الّلغة العربيّة والمواد المعطاة بالعربي ويتعلّمون مكانها لغة أجنبيّة كالاسبانيّة أو الايطاليّة بطلبٍ من الأهل. أكّد غنيمة أنّ إدارة مدرسة المون لا سال لا تتساهل مع هذا الموضوع، فإذا كان التلميذ حاملًا جنسيّة أجنيّة ووُلد في لبنان ويتقن الّلغة العربيّة، تنصح الأهل بأن يتعلّم ولدهم الّلغة العربيّة والمواد التي ترافقها. وتابع أنّه في هذه الحالة يجب ألّا يشكّل تعلّم الّلغة عائقًا أمام التلميذ للحصول على علامات مرتفعة، مضيفًا أنّ الـ"dispenses" الّذين لا يتعلّمون الّلغات الأجنبية الاختياريّة يستمرون بحضور صفوف الّلغة العربيّة والتاريخ والجغرافيا والتّربية والتّعليم الدّيني من دون إجراء الامتحانات.

أيضًا، اعتبر غنيمة أنّ الّلغة العربيّة هي لغة جميلة جدًا، لكن في شبابها. إذ إنّ العديد من كلماتها لا تٌستعمل اليوم، والعديد من الّلغات الأخرى تسيطر عليها كونها تتطوّر. صنّف مشكلة الّلغة العربيّة بالجوهريّة وتساءل كيف يستطيع التّلميذ أن يحبّ تعلّم الّلغة العربيّة وهي لغة لم نعد نستخدمها كلبنانيين في حياتنا اليوميّة. أمّا الّلغتان الفرنسيّة والإنكليزية المدرّسة هي نفسها المحكيّة. أضاف المدير على ذلك أنّ الّلغة العربيّة صعبة كما دروسها كافّة فلا يستلذّ التلميذ عند درسها.

بعد محاولة الوصول إلى وزير التربية السابق مروان حماده بهدف تحديد موقفه من الموضوع، لم نتلقّ أي جواب، وبالتّالي لم نستطع الدّخول إلى المدارس الرّسميّة، مع العلم أنّها تنظّم مسابقات مطالعة واستظهار أو يشارك تلامذتها فيها.

"إبني مثقّف لأنّه يتقن الّلغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة"

الأهل يلعبون دورًا أساسيًّا في هذا الموضوع. فالولد يكتسب معظم قيمه ومعتقداته من البيئة الصغيرة التي تحيط به، أي العائلة. "إبني مثقّف لأنّه يتقن الّلغتين الفرنسيّة والإنكليزيّة والّلغة العربيّة دلالة على التخلّف". هذا ما قالته م.ع. عندما سئلت عن سبب عدم تكلّم إبنها بلغته الأمّ. إبنها جوزيف، وهو في السادسة من عمره، يتكلّم بالّلغة الفرنسيّة مع أهله وباللّغة الانكليزيّة في مدرسته، ويبتعد كلّ البعد عن "اللبناني". وتعتبر والدته أنّ الّلغة العربيّة ليست “classe” و"جرديّة" وهي لا تريد أن يكبر إبنها وهو لم يتعرّف على الحضارات الأوروبيّة والأميريكية. كما أكّدت أنّها ملتزمة قرارها بإرسال إبنها إلى اوروبا لإكمال دراسته الجامعيّة معتبرةً أنّ لا مستقبل للبنان والّلغة العربيّة.

الرياشي: "في صغرنا تعلّمنا الّلغة العربيّة عن طريق برامج الرّسوم المتحرّكة"

وبعيدًا من المدارس والبرامج التعليميّة والتّربويّة، قليلًا ما يجد الولد خلال وقت استراحته في منزله وسائل ترفيهيّة بالّلغة العربيّة، والمقصود هي البرامج التلفزيونيّة الترفيهيّة التثقيفيّة الخاصّة بالأولاد. ولوزير الإعلام ملحم الرياشي جواب على هذا الموضوع.

استرجع الرياشي طفولته بالقول: " في صغرنا تعلّمنا الّلغة العربيّة عن طريق برامج الرّسوم المتحرّكة" وعلى سبيل المثال "غراندايزر". وأضاف: "كنّا نتحدّث مع بعضنا البعض بالّلغة الفصحى لأنّ الأولاد بطبيعتهم يحبّون التّقليد".

من جهة أخرى، كشف أنّ وزارة الإعلام توجّهت منذ فترة إلى وسائل الإعلام المرئيّة اللبنانية طالبةً منها إنتاج برامج تثقيفيّة للأطفال. وتأسّف على وسائل الإعلام اللبنانيّة الغارقة في "الإسفاف" و"الفشل" معتبرًأ أنّ معظم برامجها لا عبرة وهدف منها. وفي الشقّ القانونيّ، فسّر وزير الإعلام أنّ القانون لم يضع ضوابط في ما يخصّ مواضيع البرامج التي تنقلها وسائل الإعلام تحت عنوان "الحرّيّة". ورأى أيضًا أنّ وسائل الإعلام "تحرق" الّلغة العربيّة عبر بثّ الخطابات بالفصحى وتكون معظم الحركات والكلمات والتعابير مغلوطة.

الحلول للحدّ من هذه الظاهرة

تعديل في قانون الإعلام

اقترح وزير الإعلام إجراء تعديل على قانون الإعلام لإلزام وسائل الإعلام المرئيّة إنتاج برامج ترفيهيّة للأولاد والأطفال وبثّها لمدّة لا تقلّ عن ساعتين في النهار. وأكمل حديثه بالقول أنّه، كوزير إعلام، تقدّم بطلب إدخال المواد المتعلّقة بهذا الموضوع في قانون الإعلام الجديد ولكنّها اعتُبرت متعلّقة بدفتر الشروط الخاصّ بالتلفزيونات بعد الموافقة على إعطائها الترخيص. وأكّد الرياشي أنّه لن يتخلّى عن هذا الموضوع وسيصرّ على اقتراحه عبر تحويله مع كتلة الجمهوريّة القويّة غلى اقتراح قانون لتُلزم وسائل الإعلام المرئيّة بساعات خاصّة بالأطفال والأولاد.

المدارس الخاصّة تقدّم أيضًا بعض الحلول

قدّم الأب بطرس عازار والأستاذ جورج غنيمة بعض الحلول الممكنة لتعزيز الّلغة العربيّة وتحسين علاقة التلاميذ بها.

أكّد الأب عازار أنّ الأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكّية في لبنان على تواصل مستمرّ مع مدارسها في ما يخصّ هذا الموضوع، لكن في الوقت عينه ليس لها الصلاحيّة بإلزامها. وتابع كاشفًا أنّ الأمانة العامّة تشجّع التلاميذ عبر المدارس على الدّخول في مسابقات الإلقاء والإنشاء والاستظهار وذلك بغية تنمية قدرة التلميذ على الإبداع بالّلغة العربيّة والتعرّف إلى جمال لغته. وأضاف أنّه يجب على المدارس أن تعرّف تلامذتها إلى مسرحيّات الرّحابنة. وختم عازار أنّ عدّة مؤتمرات لها علاقة بهذا الموضوع تُعقد، كما دورات توعويّة للإضاءة على جمال اللّغة العربيّة وأهمّيّتها.

أمّا غنيمة، فاعتبر أنّ الحلّ الأنسب هو تعديل برنامج الّلغة العربيّة في المدارس لتحويله إلى برنامج أسهل وأقرب إلى الواقع. فالتلاميذ يجب أن يتعلّموا العربي المحكي في لبنان ليشعروا أنّهم يتعلّمون لغة يستطيعون أن يطبّقوها قي مكانٍ ما. لكن استبعد إمكانيّة تحقيق هذا الاقتراح في بلدٍ طائفيّ ترتبط الّلغة العربيّة بالدّين الإسلاميّ وأي تطوّر فيها يُعتبر مسًّا بالقرآن ولغته.

إذًا، الّلغة العربيّة مهدّدة قياساً إلى الّلغات التى تخضع للتطوّر والتّقدّم، على سبيل المثال الفرنسيّة والانكليزيّة، إذ إنّ الّلغة العربيّة لا تواكب عصرنا الحديث وعالم التكنولوجيا. هي أيضًا تواجه تحدّيّات متعدّدة في العالمين التربويّ والترفيهي، فيبتعد الأطفال والأولاد عنها وبالأخصّ الذين يشجّعهم أهلهم على ذلك. فهل جميع الحلول المطروحة من الشخصيّات قابلة للتنفيذ؟ وإذا نُفّذت، هل ستؤدّي إلى النتائج المنتظرة؟

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
ثقافة 4/20/2026 10:31:00 PM
لماذا يبدو "سوبر ماريو" معاصراً؟
لبنان 4/22/2026 10:26:00 PM
ما حصل مع آمال خليل قبل الاستهداف: تسلسل يكشف "جريمة موصوفة" بحق صحافيين في الطيري
لبنان 4/22/2026 10:39:00 PM
السفارة الأميركية في بيروت تدعو رعاياها لمغادرة لبنان فوراً، محذّرة من مخاطر أمنية متصاعدة تشمل الإرهاب والخطف والاضطرابات.