الطربوش والرأس في تأليف حكومة الحريري!

2 أيلول 2018 | 08:15

الحريري (أ ف ب).

"انا الرئيس المكلف ونقطة على السطر"...

بهذه العبارة يختصر الرئيس سعد #الحريري حصيلة مشاوراته مع الكتل النيابية بعد قرابة مئة يوم من تكليفه تشكيل حكومة العهد الثانية.

من المعروف انه من خصائص النظام البرلماني أن تتجسد فيه السلطة التنفيذية بشخصين مختلفين في وضعهما القانوني والدستوري. شخص أو عضو مستقر وهو رئيس الدولة، ملكاً كان أم رئيس جمهورية، وعضو جماعي هو الوزارة أو الحكومة، التي يرتبط بقاؤها بالسلطة بتمتعها بثقة مجلس النواب.

والدستور اللبناني شديد الوضوح في هذا الشأن، فقد أبقى التعديل الدستوري الصادر في 21/9/1990 على ثنائية السلطة التنفيذية، وإن كان قد أحدث تغييراً جذرياً في صلاحيات رئيس الجمهورية. ففي حين كان يخص الدستور قبل التعديل رئيس الجمهورية بسلطات دستورية واسعة، فأناط السلطة الإجرائية به بمعاونة الوزراء، ما جعل منه سيد السلطة التنفيذية، إلا أنه وبموجب المادة ٦٥ الجديدة، تغيرت اللعبة الدستورية، وباتت صلاحيات رئيس الجمهورية مناطة فيه من جهة، وبعضها الآخر برئيس مجلس الوزراء الذي خصه الدستور بموجب أحكام المادة 64 بصلاحيات خاصة، فيما أبقى الدستور لرئيس الجمهورية على بعض الصلاحيات التي يمارسها بمشاركة رئيس مجلس الوزراء أو الوزراء المعنيين، ما عدا بعض الصلاحيات الخاصة به مثل مرسوم استقالة الحكومة ومرسوم تعيين رئيس الحكومة.

واذا كان دستور ما قبل الطائف قد عزز دور رئيس الجمهورية على صعيد تأليف الحكومة فأطلق يده في اختيار الوزراء، لكن، وخلافاً لأحكام المادة 53 القديمة، فإن طبيعة المجتمع اللبناني ومعطيات المشاركة فرضت بعد اتفاق الطائف، في ما يتعلق بتشكيل الحكومة، توقيع رئيس الحكومة إلى جانب توقيع رئيس الجمهورية، وإن كان الدور الأساسي في عملية التشكيل هو لرئيس الحكومة. وبعد الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حول التركيبة الوزارية يصدر رئيس الجمهورية المراسيم بقبول استقالة الحكومة القديمة وبتسمية رئيس مجلس الوزراء وأخيراً بتعيين الحكومة الجديدة بالاتفاق مع رئيس الحكومة.

أما اذا وقع الخلاف وتباينت الآراء، كما هو حاصل اليوم بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، فما هو المنطق القانوني والدستوري لحل هذه الأزمة وإيجاد الحلول المناسبة رأفة بحقوق المواطنين وتسيير الشؤون العامة؟

تتأرجح الإجابة عن هذا السؤال بين المنحى السياسي من جهة، والدستوري والقانوني من جهة ثانية. ويزداد حظ هذا التأرجح عندما تقع المقاربة ذاتها بظروف دول المنطقة التي لم تتوافر لها حتى اللحظة الفسحة الزمنية الكافية بعد الهجمة "الداعشية" لالتقاط أنفاسها وبالتالي انعكاس هذا الوضع على الاستقرار والأمن في لبنان.

قد تبدو الكتابة حول مسألة تشكيل الحكومة في لبنان ترفاً فكرياً أو أوتوبيا في زمن لبناني تُخرق فيه المبادئ والثوابت، وتُستغل رمزية القانون لإيهام الرأي العام بوجود ثغرات دستورية أو لممارسة معايير انتقائية.

لكن في هذه الأزمة بالذات، الحاجة ملحة واكبر وأكثر ضرورة لإنقاذ دستور الطائف وقواعده من التلوث والانتهاك وتوضيح المرجعية وتصويبها انطلاقاً من المواد الدستورية التي تحكم عملية تشكيل الحكومة.

يمكن التأكيد مع الحريصين على استمرارية الحكم أن الباخرة التائهة تحتاج إلى تصويب بوصلتها كي لا تفقد الجمهورية ذاكرة مرتكزاتها الدستورية التي تشكل في غالب الأحيان الإعراب المفقود في خطابات غالبية المسؤولين.

لا يتناقض البحث الدستوري مع الفعالية السياسية، بل على العكس فان المواد الدستورية التي ترتبط بعملية تشكيل الحكومة هي الفيصل لما هو ممكن ولمواقع المظالم بدلاً من المقاربات العامة والاجتهادات المغلوطة والإطلاقية غير المسؤولة.

إن بعض ملامح الأزمة الحكومية التي نعاني منها اليوم في ظل نفق الاهتراء المالي والاقتصادي يمكن تلخيصها بمثال الرأس والطربوش! ففي حال عدم التطابق بين الرأس والطربوش فهل الحل في توسيع الطربوش أم تكسير الرأس؟ وفي حال يمكن اعتماد الحل الثاني أي تكسير الرأس، فهل يتنافى هذا الحل مع تشخيص الواقع بأن الرأس غير مألوف في ضخامته!؟ وهل المشكلة هي في تحديد كلفة ومنافع العملية؟ وما فائدة الطربوش بعد تكسير الرأس؟ وهل يصلح هذا الطربوش لرأس آخر؟

تكمن المشكلة في وجود اغتراب ثقافي عند قوى سياسية تمرست غالباً في تجاوز قضايا دستورية متعددة. ما فعله ويفعله ويعممه سياسيون، فساداً وإفساداً، لا علاقة له بعملية تأليف الحكومة كما هو محدد ومحدود دستورياً، وإن كان هناك غالباً استغلال لهذه القواعد الدستورية.

فالقاعدة الدستورية صريحة وواضحة في هذا المجال، وإن تباينت الآراء من حولها فيما يبقى النص القانوني هو الحكم في ظل هذا الخلاف الحاصل بين الرئيسين #عون والحريري حول التركيبة الوزارية. وعليه يصبح من الضروري العودة إلى الدستور وإجراء قراءة هادئة لأحكام المادة 53 التي تلحظ إمكانية وقوع تباين في الآراء بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف بتشكيل الحكومة. وفي هذه الحالة ليس على الثاني من باب الحرص على تجنب ازمة دستورية في البلاد سوى الاعتذار. بالمقابل، وفي حال عادت الأكثرية النيابية لتؤكد على تسميته مجددا لتأليف الحكومة، يكون رئيس الجمهورية ملزماً بالموافقة على ما يقترحه الرئيس المكلف بخصوص الحكومة العتيدة. وهذا ما حدث عام 1974 عندما أعلن الرئيس صائب سلام، لأول مرة في تاريخ الحكومات في لبنان، اعتذاره عن تأليف الحكومة لاختلافه مع رئيس الجمهورية في الأساس وفي تشكيل الحكومة.

ولكن يبقى علينا الاعتراف بأن النص الدستوري لا يضمن ذاته، وضمانته في الفعالية تكمن غالباً خارج النص في بنية السلطة وموازين القوى البرلمانية والثقافة السياسية السائدة واستقلالية القرار الداخلي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard