فقراء من لبنان... الطرق مأواهم وحاويات النفايات طعامهم

19 شباط 2018 | 20:01

المصدر: "النهار"

فقراء من لبنان.

في الوقت الذي ينهمك فيه النواب والمرشحون بخوض الانتخابية تحت شعارات إنمائية، يقبع عدد كبير من كبار السن في لبنان على الطرقات وفي أزقة الشوارع بحثاً عن فتات طعام. يفترشون الأرصفة تحت الجسور، حفاة، عراة، يتخذون من أماكن رمي النفايات مأوى لهم. 

عشرات الحالات نصادفها يومياً على الطرقات، لا نأبه لمعظمها، على الرغم من أنهم كبار في السن يحتاجون إلى الرعاية وتأمين أبسط الحقوق في نهاية حياة كريمة. لا نهاية يبحثون فيها عن فتات الطعام في النفايات ويتوسلون مبالغ زهيدة من المال.

قبل أيام نشر المحامي هاني مراد مقطع فيديو صوره الزميل رامي ضاهر لرجل مسن يبحث عن طعام في مكب للنفايات في منطقة برج أبي حيدر في بيروت. وعلى الرغم من قساوة الفيديو، وما آلت اليه ظروف هذا الرجل المسن. فإن الفيديو نال تعليقات منددة بعملية التصوير رافضة إهانة الرجل، طالبين من المصور إلغاء الفيديو وإطعام هذا الرجل المسن، لا "البحث عن الشهرة" بحسب تعبيرهم.

وكأن هذا المشهد أصبح مألوفاً للجميع من دون أن يهتم أحدهم لوضع هذا الرجل. وفي مقطع فيديو آخر لضاهر قال المسن إنه يحاول فقط تناول "ليمونة". ولدى سؤاله عن أحواله المادية أدار ظهره للمصور، كما ادار له ظهورهم، على ما يبدو، أهله وأقاربه قائلاً "الله بعين".

يرفض الشفقة

وفي دردشة صغيرة مع بعض القاطنين بالقرب من المكب، أكدوا جميعهم أنهم لا يعرفون أي شيء عن الرجل. فهو يقصد مكب النفايات بحثاً عن الطعام، وله ما يكفي من كرامة تمنعه من قبول أي شفقة من الناس. وبحسب الأهالي "لطالما حاولنا تقديم الطعام الجيد له ولكنه كان يرفض الشفقة ويفضل الاستمرار في البحث".

ويخبر رامي ضاهر أن المشكلة الحقيقية التي دفعته إلى تصوير الفيديو، هو عدم الاهتمام من قبل المواطنين قبل الدولة بحالة فقير من لبنان. وبدلاً من الانتفاضة لمنع مثل هذه المشاهد، كان الهجوم حاداً على المصور، ما يعني أن مشهد الرجل لم يستفزهم بقدر ما استفزتهم عملية التصوير، رافضاً التهم التي وجهت له "فأنا لا أريد كسب الشهرة من وراء تصوير رجل يبحث عن الطعام في النفايات ولكن ما استفزني ردة الفعل غير المبالية من قبل المجتمع وكأن من يبحث عن الطعام ليس مواطن وله حقوقه في هذا البلد".

بالقرب من منطقة برج أبي حيدر وعلى طول الطريق يصادفك عشرات المسنين، الذين هربوا من الحرب السورية ووجدوا في لبنان بلداً آمناً، ونظراً لظروف الحياة الصعبة، قرروا افتراش الطرق والاحتماء تحت جسر الكولا من البرد القارس. أما الجمعيات التي قصدوها فلم تعرهم قدراً كافياً من الاهتمام.


وتحت جسر الكولا أو "مأوى المتشردين"، تسكن السيدة صباح البغدادي المهجرة من دمشق، كل ما تعلمه أنها مصابة بالضغط والسكري ولا تستطيع تحريك يدها اليسرى من دون أن تعلم السبب. وقريباً منها لبناني فقير قرر النوم على الرمال رافضاً الحديث. وعلى الرغم من أن الروائح الكريهة التي تفوح من مكان قريب منه، إلا انه يغطّ في النوم مغطياً كامل جسمه.  

وعلى الرغم من قساوة المشهد، يمر الناس بالقرب من هؤلاء المتسولين من دون إبداء أي اهتمام، وكأن من يفترش الطريق مجرد "حيوان داشر" وليس إنساناً له كيانه وحقوقه. ولدى سؤال أحد كبار السن الذي صودف مروره بالقرب من "ابن جيله" قال: "كل ما أخافه هو أن أصبح مثله ويرميني أولادي وينساني أصدقائي... هذه البلاد لم تعد لنا كما كانت في السابق، والفقر في ارتفاع مستمر".

وعلى مدخل جامعة بيروت العربية في طريق الجديدة تقف سيدة لا تعرف كم تبلغ من العمر. كل ما تعرفه أنها تقف في الشارع تبيع "العلكة". فأطفالها سافر البعض منهم، والبعض الآخر لا تعرف مصيره وقد انقطع الاتصال بهم!.



ما حدا شايفني غير الله

وتجتمع بالقرب من السيدة مجموعة من القطط تتقاسم القوت معها. وبدلاً من أن تطالب بإيجاد مأوى لها، طالبت بتأمين الطعام للقطط الجائعة. ولدى سؤالها عن أحد المتسولين "أبو أحمد" المعروف في المنطقة، كان جوابها أن الاتصال به فقد منذ سنوات، وعلى ما يبدو فقد توفي، فالفقير في بلادنا يموت بدون ضجيج... "مات وارتاح"، علّقت.



وعلى بعد أمتار قليلة، هناك سيدة لا تعلم أيضاً كم تبلغ من العمر، "ولكن أكيد أكتر من 80 عمري"، تقول. ولا تعلم أيضاً كم مضى على مكوثها في الشارع، إلا أن وضعها يبقى أفضل من أبناء جيلها. فهي استأجرت غرفة واحدة في منطقة صبرا بـ200 ألف ليرة لبنانية، وتعمل ليل نهار لتأمين قوتها اليومي. ولدى سؤالها عن أولادها وعن عائلتها كان جوابها "ما حدا شايفني غير الله". 

المسنون الذين تعج بهم المنطقة هم من مختلف الجنسيات، بعضهم يرفض الحديث ويكتفي بالتحسّر على وضعه، والبعض الآخر يفضل الاستفادة من الإشارة الحمراء لتوسّل السائقين والركاب طلباً لألف ليرة. الأمر الذي يتجاهله بعضهم بعدم فتح زجاج السيارة لرجل في عمر والده إن لم يكن في عمر جده.

قصص بعض كبار السن هي ببساطة جزء لا يتجزأ من واقعنا اليومي. ففي منطقة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات يتواجد عند الظهيرة عشرات المسنين. ومن منطقة إلى اخرى يتكرر المشهد نفسه. الاهمال وإدارة الظهر من قبل الوزارات المعنية والجهات المختصة. وكل ما يشغل بال المسؤولين عقد مؤتمرات وخطط تكلف الدولة ملايين الدولارات فيما المواطن الفقير يموت على الطريق أو على أبواب المستشفيات.  





إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard