انطلقت بعض الماكينات الانتخابية للقوى الحزبية والسياسية والطائفية التقليدية، في بيروت والمحافظات والمناطق، وستنضمّ إليها بالتأكيد الماكينات الأخرى كلّها، خلال الأسبوع المقبل، بالتزامن مع بدء عملية الترشّح في 5 شباط، وذلك إيذاناً بلزوم عدم التأخر في إشعال المحرّكات، لإحداث "التحميات" المطلوبة، تحقيقاً للأهداف المنشودة، المجتمعة كلّها في هدفٍ واحد: الوصول إلى السلطة. وهذا بديهيّ. وطبيعيّ.
إلا أن ما ليس بديهياً، ولا طبيعياً، ولا... مقبولاً، هو إتاحة الاستيلاء على مجلس النوّاب، مرةً جديدةً أخرى، لكنْ هذه المرة من خلال القانون النسبي، والحاصل الانتخابي، والصوت التفضيلي.
قلتُ إن هذا بديهيٌّ جداً وطبيعيٌّ جداً. فالقوى هذه، معروفٌ كيف فاز معظمها في الانتخابات المتتالية السابقة، وبأيّ أساليب وطرق. ومعروفةٌ أيضاً "مفاتيح" ماكيناتها التي لم تهدأ يوماً ولم تطفئ محرّكاتها، وإن بأساليب وطرق مختلفة. سنقول لهذه القوى وماكيناتها، ما ينبغي للمرء الكريم أن يتفوّه به في مناسبات وظروف مماثلة: بالتوفيق إن شاء الله!
أما "الطبيعيّ جداً"، و"البديهيّ جداً"، لكن "الواجب جداً"، فهو أن ثمّة مَن يجب أن ينبري لـ"يعلّم" درساً لهذه القوى النائمة على "هدير محرّكاتها"، من أعلى الجرد إلى فقش الموج، في الجنوب والبقاع وجبل لبنان والشمال و... بيروت.
فحوى هذا الدرس أن وراء الأكمة الانتخابية – هذه المرّة - مَن (وما) وراءها.
على هامش افتتاح "المعارك"، لي أربع رسائل انتخابية، أبعث بها في أربعة اتجاهات محددة:
الرسالة الأولى: أكتبها بدون أوهام "رومنطيقية" أو ادعاءات "صحافية".
قوى الاعتراض تعرف ما يعترضها، وما يواجهها. وعلى كلّ المستويات. في ما بينها أولاً، وخارجها ثانياً. أكانت متحالفةٌ أم منفردة.
هذا من جهة. أما من جهة المنخرطين والمتطوّعين في ماكينات هذه القوى، فمن المفترض والمأمول أنهم يعملون وفق رؤيةٍ استراتيجيةٍ مشتركة، وفي سياق منهجيةٍ تنسيقيةٍ دقيقة للغاية. وأن لا مجال ليتشتّت انتباههم بإيعازٍ من هنا، أو بإغراءٍ من هناك، ولا بفخٍّ منصوب من هنالك، قصداً أو عفواً.
أعتقد أن من المفترض أن يكونوا منصرفين إلى أشغالهم، كلٌّ في موقعه، بأمانة، بنزاهة، بإخلاص، وبطريقةٍ براغماتيةٍ، متماسكة ومتكاملة، مدركين تماماً كيفيات مواجهة الاستحقاق الانتخابي.
من ضمن هذه الكيفيات، "تفكيك" كلّ الألغام المنتظَرة وغير المنتظرة، و"شلّ" كلّ المحاولات الظاهرة والخفية، لتخريب الهدف الوحيد: اختراق الطبقة السياسية، في عقر دارها. ولا استثناء.
لقوى الاعتراض مهمةٌ واحدةٌ وحيدة: أن تكون مثالاً سياسياً وانتخابياً يُحتذى، بما يجعلها الأمل الوحيد لدى المواطنين التائقين إلى التغيير، في الاستحقاق الانتخابي المنتظر.
الرسالة الثانية: لا لوائح لقوى الاعتراض، إلاّ متآلفة وموحّدة. هذا "قانون". أوعا حدا يتخّطاه.
كلّ مَن يخطئ في هذا الشأن، سيرتدّ خطأه عليه ثلاث مرّات:
مرةً، بتسهيل فوز الجهات التي ضربت مفهوم الدولة، وعمّمت الفساد، وشرّعت اللاسيادة.
مرةً ثانية، بتفويت الفرصة على قوى الاعتراض نفسها، ومنعها من إحراز هذا الفوز، ومن كسر الطوق المحكم الذي تفرضه الطبقة الغاشمة على حياتنا الوطنية والسياسية.
ومرةً ثالثةً، بأن مَن يرتكب هذا الخطأ ستلاحقه لعنة التغييريين الأحرار إلى القبر.
الرسالة الثالثة: رسالة "تأديب" متواصلة ودؤوبة إلى سياسيين توهّموا أن في إمكانهم الضحك على ذقون قوى الاعتراض، باعتقادهم أنها قوى "رومنطيقية" و"طفيلية"، وأن من الطبيعي أن يمارسوا معها ما يمارسونه عادةً من الألاعيب مع مرشّحين تقليديين، أو انتهازيين، او أغنياء، بدغدغة أحلامهم وطموحاتهم ورغباتهم في الترشح.
هؤلاء السياسيون لنا معهم موعدٌ بالتأكيد في صناديق الاقتراع. وسيكون موعداً موجعاً. لكننا لن ننتظر الاستحقاق الانتخابي في 6 أيار المقبل، بل نحن نلاحقهم، من الآن، يوماً بيوم، في حلّهم وفي ترحالهم، أكانوا داخل أوكارهم المحكمة الغلق، أم في مناطقهم الانتخابية المفتوحة.
"التأديب" يكون بتحديد الهدف الواضح والصريح: فضح ألاعيبهم أمام الناخبين، بالبراهين والأدلّة، و... تخسيرهم الانتخابات.
ليس المهمّ أن يكون هؤلاء السياسيون قد توهّموا أن في إمكانهم الضحك على ذقون قوى الاعتراض. المهمّ جداً أن يتذكّروا المثل الفرنسي الذي يقول: يضحك جيّداً مَن يضحك أخيراً.
الرسالة الرابعة: موجّهة تحديداً، وعلى قدم المساواة، إلى قوى الاعتراض وإلى سياسيين مستقلّين وشخصيات مستقلة.
فقد يكون من "الموضوعي" و"المفيد"، البحث الجدّي عن إقامة تنسيق "انتخابيّ" مشترك، الهدف منه مضاعفة تشديد الطوق حول عنق الطبقة السياسية الشنيعة، لإحراز المزيد من عمليات الخرق في المناطق التي يكون فيها لهؤلاء الشخصيات والسياسيين المستقلين حضورٌ مؤثّرٌ وفاعل.
نبض