ممنوع المنع!

16 كانون الثاني 2018 | 13:26

المصدر: "النهار"

ميريل ستريب في "ذا بوست" لستيفن سبيلبرغ.

في غضون أيام قليلة، مُنع عرض فيلمين في الصالات اللبنانية: "أدغال" لغريغ ماكلين و"ذا بوست" لستيفن سبيلبرغ (*).

الأول، فيلم مغامرات يحكي عن رحّالة يتيه في أدغال الأمازون لثلاثة أسابيع متتالية في العام ١٩٨١. هو شريط إنتاج أوسترالي كولومبي نال دعماً من الدولة الأوسترالية، يحمل توقيع مخرح أوسترالي، ومقتبس من كتاب للإسرائيلي يوسف غينزبرغ (خدم في سلاح بحرية بلاده) الذي تاه فعلاً في الأمازون البوليفية وخرج منها حيّاً، قبل ان يحوّل تجربته هذه إلى كتاب.

سُحب الفيلم من الصالات السبت الماضي، أي بعد مرور يومين على بدء عرضه. أحد الأشخاص الذين شاهدوه، أخبر أحد الناشطين داخل "مكتب مقاطعة إسرائيل" (تابع لوزارة الإقتصاد) بالموضوع، وهذا الأخير أخبر بدوره السلطة المعنية بضرورة وقف الفيلم فوراً. مصدر من داخل السينما روى لـ"النهار" ان الرقابة التي كانت أجازت العرض عادت ووافقت على سحبه تحت ضغط التهديد والوعيد.

في أي حال، كان الفيلم سيغادر الصالات الخميس المقبل، كونه ليس من النوع الذي يحقق الايرادات، الا ان تحدي المنع ساهم في انتشاله من غياهب النسيان ووفّر له الشهرة والترويج المجانيين، وسيكون حتماً أحد أكثر الأفلام تحميلاً وقرصنةً ما إن يصبح متوافراً على النت. وقد تباهى أحد المتخصصين في اطلاق حملات مقاطعة فلان وعلتان، بهذا الإنجاز النوعي الفريد. وظهر على تلفزيون "المنار"، يروي تفاصيل العمل البطولي، قائلاً انه لا حاجة حتى لمشاهدة فيلم لإصدار قرار بمنعه.

الفيلم الثاني الذي سيُحرم منه المُشاهد اللبناني، ليس سوى "ذا بوست"، لمخرج (سبيلبرغ) عُرضت كلّ أعماله في لبنان، بإستثناء “لائحة شندلر” (١٩٩٣)، ملحمة تاريخية استعرض فيها السينمائي اليهودي المحرقة النازية. "ذا بوست" ينبش في قضية شهيرة اشتهرت في مطلع السبعينات بـ"أوراق البنتاغون". هي واحدة من اولى الخبطات الصحافية في تاريخ الإعلام الأميركي. سبعة آلاف صفحة سرية للغاية تحكي الحجج التي استندت اليها الإدارة الأميركية لإفتعال ما عُرف بحرب فيتنام، وضعها صحافيان من "واشنطن بوست" في متناول القراء. الفيلم يجمع ميريل ستريب وتوم هانكس للمرة الأولى، وخرج بشكل واسع إلى الصالات الأميركية في الثاني عشر من الجاري، ومن المرجح ان يتسابق على الـ"أوسكار". الفيلم لا يمت إلى إسرائيل بصلة، لا من قريب أو بعيد، لكن حملة المقاطعة تستخدم حجّة ان سبيلبرغ تبرّع لجهة إسرائيلية إبان حرب "لو كنت أعلم" في تموز ٢٠٠٦، وأيضاً تصويره لبعض مشاهد من "لائحة شندلر" في إسرائيل! المفارقة ان هذا الفيلم، "أنتي ترامب"، وسبيلبرغ نفسه معادٍ لترامب، الرئيس الذي يريد جعل القدس عاصمةً لإسرائيل. فمنعه، يعني من جملة ما يعنيه، النزول إلى خندق صاحب “شيتهول".

في هذا السياق، لدى الناقد ابرهيم العريس كلامُ آخر أيضاً. فهو كتب في مقاله المنشور صباح اليوم في جريدة “الحياة” ان الفيلم “يشكّل واحدة من أنقى التحيات التي توجّه إلى الصحافة في زمن بؤسها الشديد (…)، إذ يوجّه إلى “الإمبريالية الأميركية” وإلى أكاذيب البنتاغون، ضربة معنوية قاسية عجزوا كلهم، ممانعين أو أنصاف ممانعين، عن توجيه مثلها”.

اذاً، نتيجة هذه الفتوى، "ذا بوست" سيُعرض في كلّ البلدان العربية حيث بُرمج الا في لبنان.

كما ذكرنا آنفاً، أفلام سبيلبرغ عُرضت في لبنان منذ تاريخ الحدثين اللذين تستند إليهما حجة المنع (١٩٩٣ و٢٠٠٦). الا انه يبدو ان قضية "وندروومان" والكيدية التي استُخدمت لمنعه في الصيف الماضي (بسبب مشاركة الممثلة الإسرائيلية غال غادو فيه) أعادتا إنعاش اللوائح المتضمنة أكثر من ١٠٠ اسم التي كانت تنام في جوارير الرقابة، وبالتالي التشدد في تطبيقها، وبعضها عفا عليها الزمن. وهذا إن دلّ على شيء، فعلى ضرورة التحرك لقطع الطريق على هذه الوصاية المفروضة على شعب كامل ووضع حدّ لهذه المهزلة.

نحو نصف دزينة أفلام، حصيلة المنع في لبنان طوال أقل من عام. هذا البلد الذي كان يفخر ماضياً بالحرية التي يمعن بها مقارنةً بدول مجاورة يحكمها الحزب الواحد صار يمنع أفلاماً تمرّ بكلّ أريحية حتى في أشد الأنظمة العربية قمعاً وتسلطاً (يكفي نموذج “مولانا” لمجدي أحمد علي الذي مرّ في مصر وتعرّض لهجوم في لبنان). ما الذي أوصلنا إلى هذه الحال المزمنة من المزايدات الفولكلورية؟

قد نجد مجالات تكون المقاطعة فيها مجدية، لكن أبلغ مثال على عدم جدوى مقاطعة الأفلام الهوليوودية، هو ان غال غادو، كانت الأعلى دخلاً في العام الماضي. الفيلمان اللذان لعبت فيهما شخصية وندروومان حققا ملياراً و٤٠٠ مليون دولار في شباك التذاكر العالمي.

... ثم ان سوق الشرق الأوسط السينمائية بأكملها لا تشكّل سوى نسبة ضيئلة من السوق العالمية. وما هو أكيد ان سبيلبرغ، صاحب الـ٣.٧ مليارات دولار (بحسب “فوربز”) لا يعتمد عليها.

... ثم، وهذا هو الأهم، الثقافة، أياً يكن صانعها، يجب ان تكون محصّنة، على غرار الإستثناء الثقافي في فرنسا. فهي خارج التجاذبات السياسية والصراعات الظرفية. ولأن "حيطها واطي"، يتم الإستهتار بها، علماً ان موقع "فايسبوك" نفسه الذي يستخدمه نشطاء المقاطعة، هو نفسه يطبّع مع إسرائيل ويملك فيها مكاتب.

ما تفعله اليوم الجهة التي تقف خلفها الحملة، هو نوع من تحدٍّ واستعراض نفوذ، ولا يمكن عزله تماماً عن المناخ السياسي السائد في البلاد. هذا النوع من المنع لم يعد محلّ إجماع وطني، وينبغي مناقشته بجدية وهدوء بعيداً من مهاترات وسائط التواصل. مواطن ٢٠١٨ يختلف عن المواطن التسعيناتي الخارج من حرب أهلية. فإذا كان لا بد من مقاطعة أي شيء، فلمَ لا يُترك الخيار للفرد، بعيداً من منطق الفرض الذي لا يخدم القضية، ولا يخدم أي قضية. خصوصاً ان هذه الممارسات تشكّل أولاً وأخيراً ضربة للاقتصاد اللبناني، فالأفلام متاحة من طريق القرصنة والتحميل، حد ان مسؤولاً عن مجموعة صالات، يقول ان المستهدف الأول هو قطاع استثمار الصالات في لبنان الذي خسر الملايين في السنوات الماضية بسبب بطولات وهمية لا تعود بالضرر إلا على اللبنانيين. فالأصحّ تسمية هذا المكتب بـ"مكتب مقاطعة الصالات"، لأنه يهدّد قطاعاً كبيراً، هو واحد من أنجح القطاعات - قطاع الترفيه - الذي يشغل الطباعة والإعلام والإعلان وآلاف الموظفين، لمصلحة القرصنة التي تقف خلفها مافيات صغيرة محلية وإقليمية.

في لحظة انهيار البلد في كلّ أشكال الفوضى، لا تفيد هذه الممارسات المستفزة سوى ضمان استمرارية الصراع المفتوح لضمان استمرارية الجهة التي تقطف ثمارها. الرسالة باتت واضحة: نحن الذين نحكم. هكذا بكلّ بساطة.

وسط هذا المناخ، نجد أنفسنا نستعين بأحد أشهر شعارات ثورة الطلاب في أيار ٦٨: ممنوع المنع!

(*) و ص ف


في 3 أيام فقط.. اتبعوا هذا الـ Detox ونقوا جسمكم من السموم!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard