قرأتُ التصريح الذي أدلى به رئيس الجمهورية الإيراني السيد حسن روحاني حول لبنان والمنطقة. التصريح يضمر ربما أكثر مما يعلن، علماً أن ما يعلنه لا يحتاج إلى ضربٍ في الرمل. فهو واضحٌ ويقينيّ إلى حدّ الفظاظة والوقاحة، وخصوصاً قوله إنه لا يمكن في لبنان والعراق وسوريا وشمال أفريقيا والخليج الفارسي "اتخاذ قرار حاسم من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار".
هذا يعني في لغة السياسة، أن قرارات لبنان ليست محض لبنانية، وأن سيادته على نفسه منتهكة، وأنه في الواقع العملي للأمور لا يستطيع أن يتخذ أيّ قرار أساسي يتعلق بسيادته أو بمصالحه العليا، قبل أن يعدّ إلى المئة، لئلاّ يتناقض قراره مع المصالح الإيرانية، أو مع غيرها، فيقع ما ليس في الحسبان.
فائض القوة الإقليمي الإيراني، هذه هي نتيجته السياسية، وخصوصاً عندما يغترّ صاحب هذا الفائض بنفسه، ويستبدّ، ويتجبّر، غير آبه لكرامة أو لسيادة، ولا لمعايير متَّبعة في العلاقات الدولية.
الأمر المخزي في هذا السياق، أن هذا الفائض لا يكتفي بقوّة ذاته الإيرانية، العسكرية والسياسية والدينية، لأنه يتكئ على قوّة عاملَين لبنانيين أساسيين، عامل الحكم، وعامل الثنائي الشيعي وحلفائه. هذان العاملان، يضفيان "الشرعية الوطنية" الداخلية، على فائض القوّة الخارجي هذا.
صلافة الموقف الإيراني حيال لبنان غير مسبوقة في المدى التاريخي المنظور، إلاّ إسرائيلياً وسورياً. فقد سبق لكلٍّ من إسرائيل وسوريا أن استباحتا السيادة اللبنانية مراراً وتكراراً، ولا تزالان تقيمان العراضات كلما رأت كلٌّ منهما ضرورةً لذلك.
هناك إجماعٌ لبناني على رفض الإرهاب الإسرائيلي وفائض القوّة الصهيوني. لكننا لا نرى إجماعاً لبنانياً مماثلاً عندما يتعلق الأمر بمواقف القوى الدولية أو الإقليمية الأخرى من المسألة اللبنانية. في حالتنا هذه مع التصريح الرئاسي الإيراني، يُستحسَن ضرب المثل بموقف الحكم وموقف الثنائي الشيعي ومَن يدور في فلكهما.
لا يزال كثرٌ من المواطنين (أنا واحدٌ من هؤلاء) يتوقّعون أن يصدر من فخامة رئيس الجمهورية (المسيحي) الموصوف بـ"الرئيس القوي"، موقفٌ فروسيّ مندِّد بهذا التصريح الذي ينضح بالوصاية الفاقعة، علماً أنه مؤتمن دستورياً على سيادة الدولة. لكن التوقع شيء والواقع شيء آخر. القاصي والداني يعرفان أنه ليس من المسموح للبنان الرسمي الذي يتقاسم الأوصياءُ سلطاته وسيادته، من هنا ومن هناك، وخصوصاً الوصيّ الفقيه، بأن يتخطى "الخطوط الحمر" الإقليمية، فيتخذ موقفاً يرفض فيه مثل هذا التطاول على سيادة الدولة، ومثل هذا الانتقاص من كرامة الجمهورية، أكان الانتهاك صادراً عن هذا المحور أم عن ذاك!
لا عجب في ما يجري! ففي أزمنة التفاهمات والمقايضات، ليس ثمة مجالٌ رحبٌ لفروسياتٍ وطنية لا تحسب حساباً للأرباح والخسائر على مستوى المواقف الرسمية المتخذة حيال المَحاور الإقليمية، ولا سيما حين تتبادر إلى الذهن الأثمان السياسية التي دُفِعت للإفراج عن الشغور الرئاسي، وأخرجت لبنان من الثلاّجة، قبل عام.
وإذا لم يكن من الرجولة الوطنية في شيء كثير أن يهبّ رئيس الحكومة (السنّي) مستنكراً هذا التصريح، أخذاً في الاعتبار أن هذا الاستنكار يصبّ في تعزيز مصالحه الإقليمية مع دول الخليج العربي، فقد كان من المفترض أن يهبّ رئيس مجلس النواب (الشيعي) معرباً عن نخوته الدستورية وعن غضبه المزدوج، أولاً لكونه يحتل المركز الثاني في الدولة من حيث الأهمية والتراتبية، وثانياً لما يجمعه بالجمهورية الإيرانية من وحدة الدين والمذهب.
أما "حزب الله" فهو منسجمٌ كلّ الانسجام مع ذاته، وليس مطلوباً منه أن يفعل شيئاً غير الذي اعتاد أن يفعله، في أن يكون حارساً لولاية الفقيه وذراعها العسكرية الضاربة في لبنان، وهو المعنيّ الأول والأخير بتنفيذ مضمون التصريح الرئاسي الإيراني.
والحال هذه، هل يخطئ الرئيس الإيراني (أو هل "يتخّنها") حين يقول "لا يمكن في لبنان اتخاذ قرار حاسم من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار"؟!
وفي الأخير الأخير، هل يُتَّخذ قرارٌ حاسم في لبنان من دون موافقة الحزب الإيراني فيه؟!
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض