في ما يأتي نص المحاضرة التي ألقاها الدكتور موسى وهبه في شباط 2004 في الندوة التي رعاها المعهد العالي للعلوم الانسانية في تونس، احتفاءً بالمئوية الثانية لولادة عمانوئيل كانط. المحاضرة جديدة في مضمونها وجديرة بالاهتمام، بحيث أن وهبه يقرأ كانط بالعربية اليوم، قراءة مختلفة تستغل إمكانات اللغة العربية، وهي اللغة الوحيدة الحيّة في العالم التي لا تزال تحتفظ بصيغة المثنّى في نحوها. ومن خلال هذه القراءة المغايرة، يكاد موسى وهبه يطرح ميتافيزيقا جديدة تغني التفلسف العالمي وتستجيب مطلب العقل الدائم في إضفاء المعنى على السعي البشري ( الدكتور جمال نعيم).
1- العربية اليوم
أطرح هذا السؤال البسيط كيف يمكن أن نقول كانط بالعربية، أي بلغةٍ أقدم منه؟ بلغة لا فاصل فيها بين ضمير الفاعل والفعل أو هي لا تذكره حتى تضمره (قلت للتو أطرح لم أقل أنا أطرح مع إمكان قول ذلك إنما بمعنى مختلف). بل كيف يمكن اليوم أن نقول كانط بالعربية مع عودة هيمنة البلاغة الأشعرية التي لا تحسب الفاعل الظاهر في مثل قولك. حلّ الولد المسألة فاعلاً على الحقيقة، بل مجرد فاعلٍ على المجاز، لأن لا فاعل حقيقيًّا الا الله؟!
بل كيف يمكن أن نقول فعل التفكير، وهو فعلٌ مركزيٌ في "النقد" وفعلٌ متعدٍ (transitif direct) عند كانط؟ حيث "فكّر" فعلٌ لازم، بالعربية، لا يتعدَّى الفاعل نفسه ولا يجاوز بنا الى أي مفعولٍ به. فأنت تقول فكَّرت في المسألة وتفكَّرت فيها. المسألة هنا قائمة بمعزلٍ عن التفكير فيها، مثلما هي قائمة أشياء التفكير (أغراض القول) بمعزلٍ عن القائل وقوله.
فكيف لي أن أقول "ترانسندانتال" بالعربية، واللفظ، كماهو معلوم، أفهوم مركزي عند كتنط؟
لقد قالت العربية أرسطو من دون مشكلاتٍ بمثل هذه الحدة، فهل يمكنها أن تقول كانط القائم في مدونة لغويةٍ أخرى، بل المخترع، نوعًا من الإختراع، مدوَّنة لغوية جديدة (بمشكلاتها وصيغها اللغوية) بالنظر الى كل ما سبق؟
واذا ما أمكن بشطارة ما، شطارة في التجاوز اللغوي، والإشتقاق والإستخراع (الإختلاق) المستشري اليوم بالعربية بضغطٍ من الحاجة إلى قول التفلسف والتفكير المعاصرين – أقول: إذا ما أمكن تجاوز العائق اللغوي بطريقةٍ ما، فأي كانط سنقوله بالعربية اليوم، ما اليوم؟
اليوم،
يوم العولمة وأحادية القطب والمعلوماتية والقرية العالمية، من جهة الغالب، ويوم عودة هيمنة البلاغة الأشعرية على مجال القول بالعربية. أي يوم الغلبة المطلقة لمبدأ المرجعية (principe d'autorité) الذي بدأت الحداثة بنقده.
اليوم، أي كانط ليقال ويقرأ بالعربية؟
وماذا عساها العربية تصنع بكانط بعد قطع رأس "الشيء في ذاته" مثلًا، وأي مستند سوف تجده للحرية الإنسانية بعد ذلك؟ أو بعد نسخ التمييز الكانطي وزمّه الى مجرد تمهيدٍ للجدل المنتصر مع هيغل ومن سار مساره (وما أكثرهم وأقوى سلطانهم). بل ماذا عسانا أن نصنع بكانط منظِّرًا للمعرفة او ابستيمولوجيًّا حين يكون تقدم العلوم وتوسعها قد قضَيَا بتعسفهما التكنولوجي على آخر دور للفلسفة في تأسيس المعرفة البشرية (على ما يشخص هايدغر)؟ وأية خدمة – بلغة الوضعيِّين – تُرتجى للعلوم من فلسفة بيَّنت الثورات العلمية المتتالية قصور مضمونها المعرفي (منطلقات فروضها التفسيرية)؟ وماذا عسانا نصنع بكانط بادئًا فلسفة التناهي البشري المتمحورة حول ذهنٍ متلقٍّ وليس تلقائيًّا، على ما يريد هايدغر؟ ولماذا تصلح فلسفة الذات الكانطية بعد كلّ "العنف" المعاصر لفلسفة الذات وتدمير سلطة الوعي وإعلان موت الإنسان نفسه بعد موت الله، وبعد أن تمّ تلخيص الانهمام الكانطي في سؤالٍ واحد أحد: ما الإنسان؟ فهل لم تعد تجوز على كانط سوى الرحمة؟
2 – أيّ ميتافيزيقا اليوم؟
لكن، يقول المعترض: لا داعٍ لكل هذا التشاؤم. فكانط، رغم ذلك، ينتفض من ترابه ويعود معافىً ملهمًا، وأبلق فردًا في زمن انهيار العمارات الفلسفية الكبرى:
ألم يستلهمه جون رولز في عدالته؟ ألا يبني عليه هابرماس في نظرية الفعل التواصلي؟ أليس قائماً، هو، في أساس آطيقا الحوار وتجاوزية آبل؟ أليس هو أخيرًا حصان السباق المفضَّل لدى لوك فيري وآلان رينو والعودة الى أنسية ما جديدة؟!
أجل. ذلك كلّه صحيح، تقول العربية. لكن رولز يستحضر كانط الأخلاقي والحقوقي وحسب. وهابرماس ينتقي من كانط مقاصد وحُدُوسًا تفيده في "الفهم المعاصر للحقوق". في حين أنه لا هو ولا آبل مهتمان بميتافيزيقا كانط التي لم تعد تعني لهما شيئًا. أما الفرنسيان فيري ورينو فيشترطان "أنسية من دون ميتافيزيك" ويبحثان في كانط عن مجرد نصاب فلسفي متماسك لوعد الحرية، وعن حل لمسألة الذات والعقل في العلاقة مع الآخر...
إذن يستلهم كانط الاخلاقي والحقوقي. وترذل ميتافيزيقاه، أي يرفض جوهره (على تعبير هيغل).
فماذا عسانا نصنع بكانط مخلَّصًا من الميتافيزيقا؟ إنّ لدى العربية معينًا لا ينضب من المعاني الأخلاقية، وخزانة فيها من الكنوز ما يكفي ليضيء لغات أخرى: بدءًا من التعارف، والتسامح، والإباحة وصولاً إلى الحريَّة وسيادة العقل والتعقل. وبدءًا من المعتزلة الى المعري وابن رشد وصولاً الى كبار المتصوفة. السؤال ليس هناك، بل في مكانٍ آخر هو: ما الأساس الميتافيزيقي الذي سوف يسند هذه القيم جميعها؟ ما النصاب الذي يجمع معرفتي بالعالم الى تصرفي فيه وآمالي الممكنة؟!
بالعربية، واليوم، لا أفهم هذا الغضب المعمَّم من الذات والوعي. لا أفهمه لكني أرى حصيلته: تخليص التفلسف من الذاتية (العزيزة على نيتشه) ليصير صالحًا للخدمة في بلاطٍ ما.
نبض