"إحــذروا المــوت الطبيعــي... ولا تموتــوا إلا بيــن زخــات الرصــاص". مقولة أطلقها غسان كنفاني ونفذها بالحرف العقيد نور الدين الجمل، ففضل الاستشهاد بين رصاص الاعداء رافضاً الموت الطبيعي وحامياً رفاقه في السلاح ومدافعاً عن أرض بلاده حتى الرصاصة الاخيرة.
في الذكرى الثالثة لاستشهاد الجمل، بطل معركة عرسال ومنقذ عناصر الكتبية 83، ها هي جرود عرسال تتحرر من قتلته، وقد رفعت صوره مكان استشهاده، وفي اماكن مواجهته العناصر الارهابية بعدما روى بدمائه حدود لبنان وقاتل عناصر حاولت تغيير معالم القرية وتحويلها الى إمارة.
في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات رفض العقيد الجمل مغادرة ثكنته التي حاصرها مئات المسلحين، فقرر المواجهة حتى آخر رصاصة طالباً من العناصر الانسحاب، ومخبراً أخاه احمد في آخر اتصال بينهما بأن الوضع سيئ جداً وموازين القوى غير متكافئة، ليفقد بعدها الاتصال بالشهيد بعد سيطرة العناصر المسلحة على الثكنة. واستشهد الجمل منقذاً عناصر الجيش من الاسر بعدمت استعمل المسلحون صواريخ حديثة وبكثافة على الجيش.
بطولة الجمل ورفضه الانسحاب من الثكنة رغم تمكنه من ذلك، دفعا بعناصر الجيش الى الانقتام لكل قطرة دم سقطت دفاعاً عن لبنان، وكان الانتصار بعد ثلاث سنوات بفضل تضحيات الشهداء، وها هي اليوم تقام ذكرى الجمل مع انتصارات أهالي عرسال والقرى الحدودية على الارهاب.
وبكلمات مؤثرة، يتحدث الجمل عن أخيه الشهيد، موجهاً رسالة له عبر "النهار" في الذكرى السنوية الثالثة، "فيخبره بأن من قتله وقتل رفاقه اندحروا اليوم من جرود عرسال، وعاد الأمن والامان الى القرية"، متمنياً أن يكون راضيا في حال كان يتابع الوضع من السماء، رغم اقتناعه بأن نور كان يحلم بأن يتحول لبنان الى جنة بكل ما للكلمة من معنى، "إلا ان أمامنا الكثير من التضحيات ليتحقق حلمك، واعدك بأن احافظ على دمائك وان لا تذهب هدراً. فأنت بطل من بلادي رفعت رأسنا عالياً برفضك الانسحاب من الثكنة، وكنت بكل معنى الكلمة قائداً في المعركة، واجهت المئات على ملالتك وحميت عشرات العائلات من فقدان احبابها وضحيت بنفسك. لم تخن القسم الذي اقسمته يوم دخلت الجيش بأنك ستحمي لبنان وعلم بلادك مهما كلف الأمر، وها انت استشهدت حتى آخر رصاصة، وقلت بالحرف لوالدتك حين احتمدت المعركة: "أترضين أن يُقال إني هربت من المواجهة والتضحية وتركت رفاقي؟" لم تترك رفاقك، وقد حميتهم، وها هم اليوم ردوا الجميل لك، وتحررت الأرض. لقد أثبت أن البطولة لا حدود لها ولا عمر ولا مركز، البطولة تكون نابعة من الشخص نفسه".
العقيد محمود لم يتمكن من تمالك نفسه ولم تسعفه الكلمات حين ذكر اخاه واولاد الشهيد موجهاً تحية لهم: "بيّكن بطل دافع عن لبنان لنعيش بسلام. بيكن شهيد بطل. هي حقيقة راسخة، وهو رمز للبنان المضحي. رفض الموت الطبيعي على الفراش وفضل الموت بين زخات الرصاص."
وقدم الجمل التحية ايضاً للشهيد داني حرب الذي دافع مع شقيقه في الثكنة، مؤكداً "أن الشعب اللبناني بكل اطيافه يرفض الارهاب، وقال كلمة واحدة وكانت دماء الشهداء فاتحة خير لتحرير الجرود."
وبكلمات مؤثرة ايضاً نعت زوجته سناء صديقها ورفيق دربها، وقالت خلال احياء ذكرى استشهاده في جامع الخاشقجي:
"نور الدين الجمل ثلاث سنوات مرت على استشهادك... ثلاث سنوات يقال ان الزمن ينسي ويبلسم الجراح، إلا ان استشهادك كان مؤلما وفراقك كبر مع الأيام، فعندما حانت ساعة الحقيقة والصدق وساعة الوفاء لليمين استشهدت دفاعاُ عن الحق وعن جنودك وارضك ودفاعاً عن المؤسسة العسكرية التي لطالما احببتها. قبل استشهادك كتبت على صفحتك الشخصية نحن الحق وأمل الناس، ما يصبرنا سوى ايماننا بالله وبقوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتاً بل احياء عند ربهم يرزقون"... نور، لم تكن انساناً عادياً في حياتك الخاصة والعامة فكنت نعم الابن والزوج والصديق، لم تتأخر يوماً عن مساعدة الناس كل الناس دون استثناء، فنعمة قضاء الحوائج انعم الله بك عليك.. إن تعداد مزاياك يا نور تحتاج الى وقت طويل اختصرها بأنك كنت نوراً لنا في حياتك وفخراً عند استشهادك". وختمت زوجته: "ايها الحبيب الغالي نور سلام على روحك الطاهرة من امك ومن اولادك لارا وكريم وكرين ومن اخوتك ورفاقك في السلاح وجميع محبيك."
نبض