امّا وقد انطوت، في عُرف كثر على صلة بالامر، معركة جرود عرسال على ما انطوت عليه من نتائج لمصلحة "حزب الله" المبادر بالهجوم، فان السؤال الذي بات مطروحا بالحاح ولدى شريحة واسعة من اللبنانيين هو: "متى يكتمل العقد" ونحرر جرود بلدتي القاع ورأس بعلبك التي هي امتداد جغرافي لجرود عرسال؟
قبل ان يوقف "حزب الله" حملته على جرود عرسال بعدما حاصر مسلحي "جبهة النصرة" في جيب صغير هو وادي حميد ومنطقة الملاهي المتاخمين لعرسال، سرى عقب ذلك انطباع تعزز مع مرور الوقت مؤداه ان الجيش هو من سيستكمل العملية وينجز المهمة كاملة لاعتبارات وحسابات داخلية متعددة.
"حزب الله" انشغل بانجازه الميداني المدوي ولم يكشف اطلاقا عن خطوته التالية ودوره في المرحلة الثانية، فيما الجيش نفسه لم يتصد للامر والمهمة بجلاء من شأنه ان يوضح الصورة ويبدد اللبس، وجل ما قام به هو خطوات عملانية تجسدت بدفع المزيد من التعزيزات الى البلدتين (القاع ورأس بعلبك) ومحيطهما واتخاذ المزيد من الاجراءات والاستعدادات التي اوحت للمراقبين ان ساعة المنازلة مع المعتدين والمحتلين للارض آتية لامحالة.
وبناء على ذلك فان السؤال التالي الذي فرض نفسه هو: متى ساعة الصفر؟ واستطرادا، هل لدى الجيش قدرة القرار وحسم الموقف العسكري وازالة هذا المرض الخبيث في اقصر الاوقات واقل قدر ممكن من الاستنزاف والخسائر؟
وقائع وشواهد عدة تستدعي اثارة هذه التسؤلات خصوصا ان العدو ليس على قدر من الهشاشة، بل هو يقيم على خبرة قتالية احترافية عالية، فضلا عن انه متحصن في تلك البقعة منذ اعوام ويتخذ اعلى درجات الاستعداد. لذا تسري الخشية من ان يُستدرج الجيش الى تجربة مشابهة من حيث المقدمات والنتائج لتجربته في مواجهات مخيم نهر البارد التي استغرقت اكثر من مئة يوم وخسّرت الجيش اكثر من 130 شهيدا وافضت الى تدمير المخيم وتهجير قاطنيه، الى الاحتقان السياسي الذي رافق تلك العملية المضنية.
ويرى الخبير في القضايا الاستراتيجية العميد المتقاعد امين حطيط ان "ثمة مشكلة في ذهاب الجيش منفردا الى مواجهة مع تنظيم داعش في الجرود، اذ ان الجيش ينتشر كما هو معلوم بفعل الواقع الامني على كامل الجغرافيا اللبنانية لحماية الامن وتأمين الاستقرار، اي توفير ما هو مطلوب منه، واي مواجهات سيخوض غمارها في الجرود تستلزم منه زج قسم كبير من قوته وعديده في تلك المعركة، ما من شأنه ان يفضي الى فتح الباب امام احتمالات حدوث فراغ قد يستغله المستغلون ولاسيما المجموعات الارهابية الكامنة. وبناء عليه، لو كنت انا صاحب الكلمة الفصل لعارضت امر ذهاب الجيش منفردا الى مواجهة الجرود، بل لطلبت رفقة المقاومة التي اثبتت بما لايدع مجالا للشك في مواجهات جرود عرسال انها قادرة على الحسم وتملك خبرة ومرونة في المواجهة مع هذه المجموعات الارهابية".
وابعد من ذلك، يضيف حطيط: "المطلوب ايضا اشراك الجيش السوري في العملية لانه معني بالمواجهة ولان ثلاثية الجيشين والمقاومة تجعلنا مطمئنين الى ان الحسم سريع واكيد، وان ذلك من شأنه ان يجعلنا نتلافى غرق الجيش في مستنقع الاستنزاف مع هذه المجموعات".
ويؤكد ختاما ان "هذا الكلام لا ينطلق من الاستهانة بقدرة الجيش وببسالة عناصره واستعدادهم للتضحية والبذل، بل ينطلق من الحرص على هذه المؤسسة الوطنية وقواها ودورها الوطني في الداخل وعلى الحدود".
وفي موازاة هذه الوجهة، ثمة رهان عند اكثر من طرف على تحاشي بلوغ مرحلة التصادم والمواجهة وعلى ان ينتهي الامر بتسوية تفضي الى خروج مقاتلي "داعش" من الجرود التي يحتلونها منذ اكثر من اربعة اعوام. وهذا الرهان ينطلق من جملة اعتبارات ووقائع ابرزها:
- ان الجيش نفسه يبدو غير مستعجل على الانطلاق في العملية الموعودة، فهو يأخذ وقته ولا يضع نفسه تحت سيف عامل الزمن.
- ان تنظيم "داعش" لا يتصرف على اساس انه في احسن حالاته وانه في حال صعود، فهو خسر في ساحتي العراق وسوريا في الاشهر القليلة الماضية واضطر الى الانكفاء عن اكثر من ثلثي المساحة التي تمدد اليها في الاعوام الخوالي بعدما تلقى ضربات موجعة. وهو ما يعزز فرضية ان يستسلم هذا التنظيم للامر الواقع في ربع الساعة الاخير ويقبل بصفقة ولو على حسابه.
- خسارة "النصرة" المدوية في جرود عرسال على يد مقاتلي "حزب الله"، وهي الاكثر عديدا وقوة والاكثر تماسكا، ستكون ولاريب عبرة لـ "داعش" في الجرود الاخرى لكي يفكر مئة مرة قبل ان يذهب الى خيار المواجهة مع الجيش.
- ثمة من يرى ان لدى "داعش" ورقة قوية يمكن ان يلوح بها هي ورقة العسكريين التسعة الذين كان قبض عليهم في هجوم 4 آب عام 2004 في عرسال اذا ما اختار المواجهة او انصاع لمقتضيات الصفقة.
حيال ذلك يبقى السؤال عن حجم القوة العسكرية لـ"داعش" في الجرود حيث هي الان؟
بطبيعة الحال تختلف التقديرات لأعداد مقاتلي هذا التنظيم الارهابي على كل اللوائح. لكن التقديرات لدى الاجهزة الامنية الرسمية ذات الصلة قبل عامين كانت ترفع عديد هؤلاء الى نحو 800 مقاتل. ويقدر العميد حطيط ان عديد هؤلاء تراجع في الآونة الاخيرة ليستقر بمعدل وسطي على نحو600 مقاتل ينتشرون على مساحة تصل الى حدود المئة كيلومتر مربع، وهي كجرود عرسال من حيث التضاريس الصعبة والوعرة.
وبحسب خبراء في اوضاع هؤلاء، فان القائد الحقيقي والابرز لقوات "داعش" والذي لا تردّ كلمته هو موفق ابو السوس (اسمه الحقيقي موفق الجبان)، وهو يتحدر من بلدة القصير ومن الذين انخرطوا باكرا جدا في المواجهات مع النظام مذ كانت تظاهرات الى ان تحولت الى سلاح ومسلحين. فهو قاتل في حمص ثم في القصير نفسها في مواجهة هجوم "حزب الله" عليها، وبعد سقوطها انطلق الى القلمون ليستكمل المواجهة وبعدها الى الجرود حيث هو الان. بالاصل ينتمي ابو السوس الى تنظيم "كتائب الفاروق" ،وهو احد تشكيلات "الجيش الحر" قبل ان يعلن مبايعة "داعش" في صيف 2014 عندما كان هذا التنظيم في ذروة تمدده وصعود نجمه، لكنها كانت مبايعة على طريقته، اذ رفض تسليم القيادة لمن ارسلتهم قيادة التنظيم المركزي في الرقة، فخاض سلسلة مواجهات اتهم خلالها بتدبير اغتيال "القيادي في التنظيم" ابوعائشة البانياسي(سوري )، وبتصفية "ابو بلقيس العدناني" (يمني). وعموما اتسم سلوكه في التنظيم بطبيعة خاصة رفض خلالها تسليم الامرة لكل من ارسلته الرقة وخاض مواجهات داخلية مستمرة خصوصا انه حرص دوما على اثبات انه ليس من النسيج العقيدي والديني المتشدد لـ "داعش".
هل المواجهة مع "داعش" في الجرود خيار حتمي لامفر منه، ام ان ثمة احتمالات اخرى؟
الجواب الاكيد لدى المعنيين انه لم يعد بامكان هذا التنظيم البقاء حيث يتمركز بعد تحرير الجرود المتاخمة اي جرود عرسال من قبضة "النصرة". اما ما بعد انهاء هذا الوضع الشاذ فالمراقبون يخرجون باستنتاج اولي مفاده انه حتى الان فان خيارَي المواجهة والتسوية يوشكان ان يكونا متعادلين. وفي الانتظار، ومن الان وحتى يظهر الخيط الابيض من الخيط الاسود فان كل الاطراف يعيدون حساباتهم ويدرسون خياراتهم
نبض