كل التوقعات قبيل البدء في معركة جرود عرسال وتحريرها من مسلحي "جبهة النصرة" كانت تشي بأن الامور ستصب في مصلحة "حزب الله" الذي استعد لها جيداً مع تحضيره المسبق لجملة من الامور التي رافقت عملياته في الأيام الاربعة الاخيرة، والتي تمكن من خلالها من توجيه ضربات قاسية لـ "النصرة". وتحولت المواجهات الاخيرة مواد ساخنة على ألسنة اللبنانيين الذين ينتظرون أي جديد في الجرود، سواء كانوا مع سياسة الحزب أو ضده. كذلك شكّلت العمليات مادة انقسام في ما بينهم، ولا سيما أن البعض لا يزال ينسج المواقف نفسها حيال الحزب وتحديداً الذين لا يلتقون في الاصل معه في أي مشروع يقدم عليه منذ اعوام عدة، وذلك بعدما نجح هذا الفريق في تصدر المشهد السياسي- الأمني في البلد. واعتمدت الماكينة العسكرية منذ الدقيقة الاولى لانطلاقة المعركة خطة اتباع سياسة إعلامية تقوم على تقويض إرادة مقاتلي "النصرة" وممارسة حرب نفسية مدروسة ضدهم بغية طردهم من الجرود في اسرع وقت ممكن، على عكس الذين كانوا يرددون ان المواجهات ستطول وسيدخل الحزب في حرب استنزاف، الا ان قيادته العسكرية دفعت بوحدات كبيرة ومدربة الى الجرود لامتصاص حماسة المسلحين والوصول الى أعماق مغاورهم في الاودية وتدمير التحصينات التي بنوها طوال الاعوام الاخيرة.
ومن هنا عمدت قيادة المقاومة إلى الاشارة في بيان مهم لها بعد ظهر اليوم أن "المعركة مع جبهة النصرة شارفت على نهايتها. وندعو جميع المسلحين الموجودين في جرود عرسال الى أن يحقنوا دماءهم بإلقائهم السلاح وتسليم انفسهم مع ضمان سلامتهم". وتحدثت عن انسحاب مجموعات من المسلحين بواسطة الدراجات النارية في اتجاه خطوط التماس مع تنظيم "داعش" في شرق جرد عرسال، اضافة الى انسحاب آخرين في اتجاه وادي حميد ومخيمات اللاجئين في "الملاهي".
كنعان
وفي السياسة، تشهد عمليات الحزب في الجرود تأييداً مقبولاً من كتل نيابية تمنحها غطاء في هذا الشأن، وهذا ما يعكسه تصريح النائب ابرهيم كنعان "حيث تعمل المقاومة على صد الاخطار الارهابية".
ويقول لـ "النهار" إن "واجب التحرير عمل جماعي، وتالياً سقوط شخص لبناني من اجل الدفاع عن ارضه هو شهيد في هذه المعركة. ومن المعيب التمييز بين الشهداء، وعلينا جميعنا أن نكون خلف هذه المعركة على غرار ما حصل في حرب تموز في 2006 ".
نزار عبد القادر
سيطرة مقاتلي الحزب على نقاط استراتيجية في سرعة قياسية كانت محل متابعة عند خبراء عسكريين. ويقلل البعض من هؤلاء من الدور الذي اضطلع به الحزب في الجرود، ومن هؤلاء العميد المتقاعد نزار عبد القادر الذي لا يلتقي مع رؤية النائب كنعان في النظرة الى "حزب الله" ومسار هذه المعركة وهو لا يوافق عما يعلنه الحزب في البيانات التي يصدرها "ليس كل ما يردده هو الصح أو الحقيقة. ويعمد في كثير من الاحيان على تقديم مناورات اعلامية. وعلينا أن نعرف ان المسلحين في الجرود حوصروا من جهات عدة، فضلاً عن استهداف الطيران السوري لمواقعهم. وفي اللغة العسكرية تعتبر مواقعهم ساقطة لعدم قدرة المسلحين على تلقي المساعدات التي كانت تصلهم، والقتال يدور في مناطق جرداء. ويعمل "حزب الله" على تصوير الامر وكأنه يحرر أرضاً لبنانية".
من جهته، يدعو كنعان الى "ابعاد ما يحصل في الجرود عن الصراع السياسي والمذهبي في البلد، والارض التي تُحرر تعود الى كل اللبنانيين. ولا اعتقد وجود اي جهة لبنانية مع الارهاب وتوافق على احتلال ارضه. وما نفذه الجيش يستحق عليه علامة جيد جدا. ويبقى الحامي والمظلة للجميع والعمود الفقري في الحفاظ على عرسال ويؤمن الحماية الامنية والعسكرية لكل النسيج الوطني".
وفي سؤال عبد القادر عن أن كلامه لا تؤيده شرائح كبيرة من اللبنانيين؟
يجيب "كثيرون من اللبنانيين يؤخذون بالإعلام، وهم لا يعرفون طبيعة المنطقة وتضاريسها الجغرافية بين لبنان وسوريا. ثمة منطقة رمادية بين البلدين، وكل طرف يقول إنها تعود له والحدود عندنا من النهر الكبير الى جنوب جبل الشيخ لم يتم الترسيم فيها بعد. وكان اعلام الحزب قد تحدث عن مرتفعات فليطة، هذه المنطقة سورية وليست لبنانية. ويجري القتال في الاراضي السورية".
ولا ينفي عبد القادر هنا وجود "النصرة" في أراض لبنانية، "وبعد تعرض مواقعها لغارات الطيران والقصف المدفعي لا يقدر مسلحوها على الصمود. والتلال لا تحميهم هنا وكثافة النيران تتوافر مع القوة المهاجمة. وفي ظل ما يحدث في سوريا نلاحظ انها تمر في مرحلة جديدة وبدل ان تقسم الى دويلات تقسم اليوم الى مناطق نفوذ، ولا سيما بعدما تبين أن ثلاث محافظات درعا والقنيطرة والسويداء كرّست للنفوذ الاميركي والروسي مع شريكين محليين هما الاردن واسرائيل. ولم يعد لايران وحزب الله التأثير في هذه المنطقة، ووقع الطرفان هنا في خسارة استراتيجية. وتريد ايران التعويض عن ذلك حفاظاً على معنوياتها، وهي لا تعمل للحفاظ على على(الرئيس السوري) بشار الاسد. وتركز ايران اخيراً في الدفاع عن سوريا الوسطى وتضم هذه المنطقة الجرود التي تحصل فيها المعارك الاخيرة. وتريد طهران ان تكون اللاعب الاساسي في هذه المنطقة وتنظيفها من المسلحين".
لا يوافق عبد القادر على طريق عمل الحكومة وتعاطيها مع ما يحدث في الجرود، ولا يبدي ارتياحه الكامل لما اعلنه الرئيس سعد الحريري "وما رأيته ان الرئيس الحريري اطلق كلاماً غامضاً جدا وغير مفهوم وظهر وكأنه رضخ لحزب الله، الى ان أوضح الجيش المهمة التي يقوم بها وهي لا تختلف عما ينفذه منذ العام 2014. وبالفعل منع الجيش المسلحين من التسلل الى المخيمات ونجح في الدور الذي يؤديه".
ويشدد على ان "ايران وحزب الله يعملان على الامساك باستراتيجية الحدود".
نبض